اخبار الثقافة

22:34

تعالي الآن

سلسلة نشأة الوعي المجرد وتجاوز الميثولوجيا المدرسة الأيونية. الجزء الثاني

كتب في 31 يوليو 2021 - 2:53 م
مشاركة

بقلم: ذ. المعانيد الشرقي

إن رحلة اللوغوس في أفق انبجاس العلم الطبيعي وتشكل فعل التفلسف وانحسار الفكر الميثولوجي يرجع بالأساس لرواد المدرسة الأيونية التي أرسى دعائمها طاليس الملطي ومن بعده تلامذته أنكسيمندرس وأنكسيمانس، حيث قال الأول بأن أصل الوجود هو اللامتناهي أو الأبيرون بينما أكد الثاني على أن أصل الوجود الهواء. وعليه، سنحاول في هذا الجزء الثاني من فسحة الصيف أن نقف عند فلسفة أنكسيمندرس الذي واصل رحلة بحثه عن أصل الوجود انطلاقا من الأسس الطبيعية التي تجد مُرتكزاتها في المادة بكل تشكلاتها المتعددة المتجانسة والمتناقضة. ولذلك، نرسم معالم التفكير وطرقه من خلال التساؤلات التالية:
* من هو أنكسيمندرس؟ كيف توصل أنكسيمندرس إلى أصل تشكل الوجود؟
* وماهي المبادئ التي ارتكز عليها لإثبات ذلك؟
2. أنكسيمندرس:
هو حكيم من حكماء الطبيعة تلميذ طاليس عاش ما بين الفترة ( 610 ق.م – 546 ق.م ) ينتمي كأستاذه طاليس إلى جزيرة ملطية وهي مدينة تجارية عرفت ازدهاراً تجارياً منقطع النظير، كانت تظم عددا كبيراً من العبيد وشهدت صراعاً عنيفا بين الأشراف من جهة والتجار من جهة ثانية وبين هاتين الطبقتين مجتمعتين والفقراء من أحرارها.
واصل أنكسيمندرس رحلة بحثه من خلال الأسس الطبيعية التي طبعتها تناقضات كثيرة وصراع اجتماعي انعكس بشكل ملحوظ في فكره المتقد، حيث ركز على الطبيعة وعلاقة الأشياء ببعضها وصراعها وحكمها من قبل قانون الزمان. اشتغل هذا الحكيم بالتجارة وكتب في الطبيعة والجغرافيا ورسم خريطة الأرض.
إن ما ميز أبحاث أنكسيمندرس وتفسيراته منحاها العقلاني وتسلسلها المنطقي الرصين. إنه كسلفه بحث عن أصل تستمد منه الموجودات وجودها وأصلها. لكن هذا الأصل لا يمكن أن يكون ماء طاليس أو أية مادة معينة أخرى بشكل محدد، إن كان ذلك من جهة الكم أو من جهة الكيف. إن المُحَدَّد والمُعَين لا يكفي لتفسير التغير والكثرة في الطبيعة. بحث أنكسينمدرس عن أصل الوجود وتوصل أنه لا محدوداً لا مُتعيناً لا نهائياً. هذا اللانهائي أو اللامحدود أو اللامتعين أو الأبيرون دائم أزلي، خالد لا يفنى. منه ابتدأت الأشياء وإليه تعود، دائم الحركة، وحركته هي سبب التعين والتحديد. عن طريقها تنشأ العوالم والسماوات، إذ لا عِلة خارج اللامحدود وحركته، وبما أن اللامحدود دائم أزلي وحركته كذلك، فالعوالم والسماوات هي كذلك أزلية أبدية.
لكن كيف خرجت العوالم من اللامحدود أو اللامتعين أو الأبيرون؟ إن أول ما عُينت حركة اللامحدود كانت الأضداد: الحار والبارد / الرطب واليابس وهكذا.. وحركة هذه الأضداد أو صراعها أحدث انفصال بعضها عن بعض أو اجتماع بعضها مع بعض. وعن طريق هذه الحركة والانفصال والاجتماع حدثت مختلف الأجسام المُشكلة للموجودات المادية داخل الطبيعة.
إن أول الأضداد التي تحددت كان الحار والبارد ثم أحاط الحار بالبارد وتكون منه الهواء والنار. في حين أن البارد تكاثف فتحول إلى تراب وتخلخل فكان الماء ومن كل ذلك كانت الأرض والسماوات والكواكب.
ويذكر أن أنكسيمندرس فكر بخروج الكائنات الحية من رطوبة الأرض التي بَخَّرتها الشمس. ولم تخرج دفعة واحدة على شكلها الحالي، بل مرت بمراحل إلى أن أصبحت على ما هي عليه الآن. وإذا صح هذا، يمكن اعتبار أنكسيمندرس رائد نظرية التطور قبل تشارلز داروين بزمن طويل. إن مُرتكزات نظرية أنكسيمندرس في الطبيعة ثلاث:
وحدة المصدر والحركة الدائمة ثم صراع الأضداد.
إن التفسير الطبيعي للوجود حسب أنكسيمندرس مكنه من فهم الوجود الاجتماعي للإنسان اليوناني أنذاك، حيث صراع الأضداد بين طبقات المجتمع أصبح على المستوى التجريدي قانون الزمان الذي تخضع له الأشياء الطبيعية ويحكم ظهورها واختفاءها. إن الأضداد التي أقصت بعضها في المجتمع الأيوني في حركية اجتماعية لا تهدأ، هذه التصورات التي تنعكس فيها علاقات الانتاج الجديدة في الوعي الإنساني، أسقطها أنكسيمندرس على الطبيعة تصوراً دياليكتيكياً حدسياً مبنياً على حقائق بديهية هي إطلاقية الحركة والتحول والصراع. فالحركة رمز الحياة على كل مستوياتها وهي شكل وجود المادة ولا وجود لأية قوة مُحركة خارجها. إن هذه المقولات الأنكسيمندريسية التي رأينا فيها انعكاساً للعلاقات الاجتماعية تحتوي جزءاً كبيراً من الحقيقة وذلك لكونها صوراً اجتماعية. إن المجتمع جزء من الطبيعة، والمقولات التي يتعلم بها الإنسان معرفة الطبيعة هي بالضرورة مقولات اجتماعية.
إن عظمة أنكسيمندرس تتمثل في اكتشافه لشمولية القانون الذي يحكم المجتمع والطبيعة وفي استشرافه لمذهب التطور في عالم الحياة إذ اعتبر أن الكائنات الحية كانت في الأصل سمكاً ولم تبلغ حالتها الراهنة إلا بعد مرورها بمراحل من التطور.
هكذا شكلت أفكار الحكيم انكسيمندرس منطلقا جديدا للتفكير الطبيعي حيث توصل إلى اللامتناهي أو الأبيرون كأصل للوجود وما صراع الأضداد إلا من أجل حركة تطور الطبيعة وانعكاسها على طبقات المجتمع، الشيء الذي سيفتح درباً جديدا في البحث الطبيعي حيث سيدشنه خلفه التلميذ الثاني لطاليس وهو أنكسيمانس. وبالتالي تشكلت حركة اللوغوس متجاوزة بذلك وبشكل قطعي التفكير الميثولوجي الخرافي الذي يُرجع أصل الأشياء إلى قوى غيبية ما فوق طبيعية لا عقلانية رهنت الإنسان لعقود كثيرة دون أن ينفك عنها لولا قُدوم هؤلاء الحُكماء الذين اتخذوا من العقل منهجاً لتفسير الطبيعة من داخلها لا من خارجها.
فكيف فسر أنكسيماس أصل الوجود سيرا على منهج المدرسة الأيونية؟ وماهي الأسس التي ارتكز عليها؟
يتبع..