اخبار الثقافة

22:34

تعالي الآن

سلسلة نشأة الوعي المجرد وتجاوز الميثولوجيا المدرسة الأيونية. الجزء الأول

كتب في 31 يوليو 2021 - 1:20 م
مشاركة

بقلم: ذ. المعانيد الشرقي
استهلال:
لاشك أن نشأة الفلسفة اليونانية لم تكن مُعجزة من السماء ولا ضربا من ضروب العشوائية في التفكير، بل كان ميلادها حدثا عقليا بامتياز، لذلك، سنحاول عبر هذه السلسلة الصيفية أن نتناول نشأة الوعي النظري المجرد وانحسار الميثولوجيا والفكر الأسطوري من خلال الوقوف على أسس نشأة المدرسة الأيونية وروادها الأوائل كي نضع القارئ والمهتم بميلاد فكر اللوغوس بطريقة سهلة الفهم والتناول، خصوصا وأن هذه الأمور ستُساعد تلاميذ الجذع المشترك في مادة الفلسفة على استيعاب فكرة ميلاد الفلسفة وارتباطها باليونان أو الإغريق القديمة بشكل موضوعي سلس يستسيغه العقل البشري بكيفية سهلة ومرنة. وقد دأبنا مراراً من خلال تجربتنا الصفية على أن نتقاسم دروساً في الفلسفة بهذه الشاكلة مُستهدفين فئات عريضة من المهتمين بالفكر الفلسفي قصد تعليمه حتى خارج أسوار المؤسسات الرسمية لمن يثيره فضول السؤال لمعرفة أسباب ودواعي النشأة أو السقطة الأولى لما بات يُدعى فيلوصوفيا أو محبة الحكمة.
لذلك وغيره سنبدأ بأحد أبرز رواد المدرسة الأيونية كي نضع القُراء أمام متنٍ فلسفي يستحضر الإرهاصات الأولى لتشكل الفكر النظري المجرد خصوصا مع الأب الروحي لحكماء الطبيعة طاليس.
من يكون طاليس الملطي؟ وكيف واجه الفكر الأسطوري وتجاوزه؟ ما الذي جعله يُرجع الكثرة إلى الوحدة؟ أو بتعبير آخر؛ لماذا أرجع طاليس المتعدد إلى الواحد؟ وكيف توصل إلى أن أصل الوجود هو الماء؟
هي أسئلة من بين أخرى سترسم لنا معالم التفكير كي نُشكل عِقداً فريدا تتصل أطرافه ببعضها مُشكلة نسقاً معرفيا يغزل بمعية اللغة أصل نشأة الفلسفة مع حكماء الطبيعة من داخل المدرسة الأيونية ورادها الأوئل ومن بينهم طاليس. لذلك سنبدأ الكتابة عن هذا الحكيم الذي اهتم بالفلك والفلسفة والرياضيات عبر استعمال العقل أداة لبلوغ الغايات التي انبجست عنها المعرفة بكل فروعها.

1. طاليس:
هو عالم رياضيات وفلكي وحكيم يوناني عاش ما بين الفترة ( 624 ق.م- 546 ق.م ) تنبأ بكسوف الشمس الكامل الذي حدث في 28 أيار من عام 585 قبل الميلاد. وتوصل إلى أن أصل الأشياء الماء، وأن الكثرة مصدرها الوحدة كما اكتشف العديد من النظريات العلمية في مجال الرياضيات. رفض الإنسياق مع الأفكار الخرافية ونهج العقل طريقا في الخلق والإبتكار. يعتبر طاليس من رواد المدرسة الأيونية التي أعطت أهمية خاصة للمادة، وهكذا مهدوا الطريق لعلوم الطبيعة وتجاوزا الميثولوجيات البدائية.

توصل طاليس على أن الأشياء كلها تصدُرُ عن أصل واحد هو الماء، وبالتالي، فهي رغم اختلافاتها الظاهرة واحدة. الاختلاف بين الأشياء مرده لتعدد الحالات التي يمر بها الأصل الواحد الذي هو الماء. والأشياء حية لأنها مُتحركة، فالحركة روح الأشياء وهي مُتغلغلة في الكون بكليته. والملاحظ أن طاليس اهتم بالإجابة على سؤالين هامين؛ كالتالي:
* ما أصل الأشياء؟ وكيف تكونت؟
للإجابة عن هذين السؤالين سيكون لزاما استحضار هذا النص الفلسفي لأرسطو عن طاليس كما يلي:
” إن النبات والحيوان يغتذيان بالرطوبة، وما منه يغتذي الشيء فهو يتكون منه بالضرورة. بل أن التراب نفسه يتكون من الماء الجامد وكذلك الأرض بأسرها. إنها قُرص يطفو على سطح الماء الذي إذا اهتز سبب الزلزلال وإذا انحل أعطى الهواء. وكذلك النار والدخان والأبخرة تخرج من الماء مع تغير حالاته، وهذه الحالات دائمة التغير. ”
بهذا المعنى، توصل طاليس إلى الإجابة عن سؤال أصل الوجود الذي هو الماء وحالاته المتغيرة وفق مراحل تطبعها الصيرورة. كما فسر طاليس الطبيعة بالطبيعة أو بأحد عناصرها واستبعد تدخل أية قوة خارجة عنها وحاول استكناه الوحدة التي تختبئ وراء الكثرة الظاهرة كلها. بفضل العقل الذي سخره طاليس للبحث عن أصل الوجود مهد لنشوء علم الطبيعة وطرح إشكاليات جديدة أجابت عنها المدارس اللاحقة عليه بأساليب وطرق مختلفة، بحيث حلَّ خطابُ اللوغوس مَحلَّ خطاب الميتوس، وتم تجاوز الميثولوجيا القديمة التي ترد تفسير الظواهر الطبيعية إلى ما فوق الطبيعة أو إلى تعدد الآلهة.
يتبع…