اخبار الثقافة

19:53

“فوضى في حديقة الشيطان”

هل يكون التعديل الحكومي في إسبانيا ثمنا لتسوية الأزمة مع المغرب؟

كتب في 11 يونيو 2021 - 8:32 ص
مشاركة

بلال التليدي *

لا يبدو في الأفق المنظور أن الأزمة المغربية الإسبانية ستجد طريقها إلى التسوية، فالمغرب لحد الآن أقفل باب التواصل الدبلوماسي المباشر مع إسبانيا، كما أن إسبانيا، ماضية في استثمار ملف الهجرة، وجر الاتحاد الأوروبي لأزمة مع المغرب بمحاولة استصدار إدانة للرباط على خلفية اتهامها باستثمار ورقة القاصرين.
لحد الآن، لم يتخذ المغرب أي قرار حاسم ضد إسبانيا، سوى ما كان من تجميد التواصل الدبلوماسي، فلم يقطع العلاقات الدبلوماسية، ولم يعلق التعاون الأمني بين البلدين. لكن واقع الأمر، يؤكد بأن مساحة التنسيق قد ضاقت إلى أبعد الحدود، هذا رغم المحاولات التي تبذلها إسبانيا في خط مواز للتصعيد في البرلمان الأوروبي، لحلحلة الوضع وإنهاء التصعيد. فقد سربت بعض الصحف الإسبانية، معطيات تتعلق بإبعاد وزير الخارجية الإسبانية أرانشا غونزاليس لايا عن تدبير الأزمة مع المغرب، وتحدثت عن تعديل حكومي واسع مرتقب في إسبانيا. الأسبوع الجاري شهد تطورات جد مهمة، تؤشر على تحرك مختلف للمغرب، فلم يكتف يتم الاكتفاء بقرار إرجاع القاصرين المغاربة غير المرفوقين من كل دول أوروبا، الذي قصد به المغرب إبطال مفعول الورقة التي تحاول إسبانيا استثمارها داخل البرلمان الأوربي لجر أوروبا إلى جهتها في صراعها مع المغرب، وإنما حصلت أربع ديناميات مهمة، تشير إلى الخيارات الأخرى، التي فضل المغرب اعتمادها في اللحظة التي تشتغل الوساطات لإنهاء الأزمة بينه وبين إسبانيا. ذلك أن تأجيل اتخاذ قرار مغربي حاسم ضد إسبانيا، وحدوث تطورات مهمة تتعلق بالكيفية التي خرج بها غالي من إسبانيا إلى الجزائر، تؤشر على وجود وساطة ما، ربما فرنسية، وأن المغرب وضع شروطا ما، ينتظر بإزائها أجوبة ناجزة، وأنه في الزمن الذي ينتظرها، فقد اتجه إلى الخيارات الأخرى.
من المهم أن نشير في هذا الصدد أن اللقاء الذي جمع بين وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة وبين وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو لم يكن بعيدا عن موضوع الأزمة مع إسبانيا، وأن الحديث عن جولات للحوار السياسي بين البلدين، لا يخص فقط التنسيق حول الملف الليبي، مع أهميته، ولكنه يهم قضايا إقليمية أخرى، تتعلق بشمال إفريقيا.
صحيح أن الملف الليبي يمتلك راهنيته، وأن تتويج الحوار السياسي، وإنهاء الأزمة بشكل كامل في ليبيا، يتطلب حوار إقليميا، تركيا مصريا من جهة، وتركيا مغربيا من جهة أخرى، وصحيح أيضا أن المغرب، له حساسية شديدة من تدخل الجزائر في هذا الملف، لكن، مخرجات هذا الحوار، أو على الأقل، ما تم التصريح به في قصاصة وزارة الخارجية المغربية، يبين أن الأمر يتجاوزه هذا الموضوع لقضايا إقليمية أخرى، لا يستبعد ضمنها ملف التعاطي مع الاتحاد الأوربي، لاسيما وأن هناك قضايا مشتركة تجمع بين تركيا والمغرب في علاقتهما بأوروبا، أولها النظرة الأوروبية لدورهما بإزاء الهجرة، وأنهما معا يرفضان أن يتم التعامل معهما كدركي لأوروبا، كما يجمعهما أيضا ملف آخر، هو شكل تعاطي بعض دول أوروبا مع الانفصاليين: إسبانيا وألمانيا مع انفصاليي البوليساريو، وفرنسا وغيرها مع حزب العمال الكردستاني الانفصالي، كما يجمعهما ملف ثالث، هو التطلع نحو الصعود، في ظل محاولات الإعاقة التي تقوم بها بعض دول أوروبا، باستثمار ورقة الانفصال. التطور الثاني، برز مع الإعلان الرسمي عن إجراء مناورة «الأسد الإفريقي» المشتركة بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية بمشاركة دول بريطانيا والبرازيل وكندا وتونس والسنغال وهولندا وإيطاليا وفي غياب إسبانيا، وذلك في الأقاليم الجنوبية، وفي المحبس (منطقة النزاع حول الصحراء) وهي الإشارة النوعية، التي تؤشر على اعتراف الدول المشاركة في هذه المناورات بسيادة المغرب على صحرائه، وعلى الدور الريادي الذي يمكن أن يضطلع به المغرب كفاعل إقليمي في المنطقة.

المغرب نوع تكتيكاته في إدارة الصراع مع إسبانيا، فمن جهة، عمد إلى تجميد قراراته التصعيدية ذات الطابع المصيري. ومن جهة أخرى، فقد اشتغل على خط مواز، للضغط على إسبانيا

التطور الثالث، وهو اللقاء الذي جمع وزير الخارجية المغربية ناصر بوريطة بنظيره الهنغاري بيتر زيجارتو، والذي أثمر توقيع عشر اتفاقيات تهم الدبلوماسي والقضاء والتعليم والجمارك والثقافة والرياضة والبحث العلمي والصحة. قد تبدو هذه الاتفاقيات غير دالة، لأنها تشير إلى المستويات الأولى التي يفترض أن يبدأ منها مسار تقوية العلاقات الدبلوماسية، لكن، الحديث عن تحالف قوي بين البلدين، والإعلان عن نية البلدين توطيد الشراكة الاقتصادية، وتنظيم منتدى اقتصادي على هامش اللجنة المشتركة المقبلة حول التجارة والاستثمار، كل ذلك، يعطي صورة عن الرهان الاستراتيجي الذي يتوجه إليه المغرب، (توجيه البوصلة إلى أوروبا الشرقية) وجعل الشراكة الاقتصادية مع المجر، جسرا إلى هذا العمق الاستراتيجي للجواب عن أي تحديات مستقبلية تهم علاقته بدول أوروبا الغربية. التطور الرابع، وهو الذي يخص قرار المغرب، استبعاد إسبانيا من عملية العبور «مرحبا» التي يستقبل فيها المغرب مواطنيه المقيمين بأوروبا في عطلة الصيف (ثلاثة ملايين مغربي) والذين، تعودوا على الدخول للمغرب من خلال الأراضي الإسبانية، إذ أعلنت الرباط، أن عملية العبور لهذه السنة، ستتم من خلال ميناء «سيت» الفرنسي، وميناء جينوة الإيطالي، وهوما يعني تكبيد إسبانيا بخسارة قدرتها بعض وسائل الإعلام الإسبانية بقيمة 500 مليون أورو، فضلا عن إفلاس أزيد من ثلاث شركات إسبانية كبرى للملاحة البحرية، كانت تعمل بين ميناء الجزيرة الخضراء والميناء المتوسطي، أو بين ميناء طريفة وميناء طنجة، وحرمانها أيضا من استضافة حوالي 800 ألف سائح مغربي. المغرب نوع تكتيكاته في إدارة الصراع مع إسبانيا، فمن جهة، عمد إلى تجميد قراراته التصعيدية ذات الطابع المصيري، مثل قطع العلاقات الدبلوماسية أو تعليق التعاون الأمني، وذلك حتى يعطي مساحة لاشتغال الوساطات، مع تقديم شروطه لاستئناف التواصل والتنسيق مع إسبانيا. ومن جهة أخرى، فقد اشتغل على خط مواز، للضغط على إسبانيا، والبحث عن خيارات للخروج من التحديات المفترضة، في حال ما إذا نجحت إسبانيا في جر الاتحاد الأوروبي أو بعض دوله لممارسة ضغوط على المغرب تضر بمصالحه الحيوية.
لحد الآن، لا تزال لغة الضغط والضغط المضاد هي السائدة، وسط مؤشرات على اشتغال وساطات غير معلنة، الوساطات، مع تفكير متبادل في خيارات الضرورة التي قد تمليها القرارات المصيرية. لكن، ثمة ما يؤشر على أن إسبانيا، تبحث عن خيارات لتسوية أزمتها مع المغرب، وتحاول أن تجعل ثمن التسوية هو تغيير في بنية الحكومة وتركيبتها، دون تغيير جذري في مقاربتها، وهو ما قد يرضي المغرب جزئيا، لكنه لن ينهي الأزمة، وفي الوقت ذاته، لن يسمح لها بأن تصل إلى مستويات مضرة بالمصالح الحيوية للطرفين.
كاتب وباحث مغربي