حتى لايصبح التحليل السياسي تضليلا معرفيا لدى العرب؟

كتب في 10 يناير 2021 - 8:29 ص
مشاركة

بقلم محمد الشرقاوي
لم تهدأ موجة التنديد بما أقدم عليه الرئيس ترمب عندما دعا مناصريه إلى اقتحام مقر الكونغرس ونسف جلسة إقرار نتائج الانتخابات الرئاسية. وتتعزز الأصوات بضرورة إنهاء مهامه في البيت الأبيض على الفور بقيادات الحزب الجمهوري الذين كان بعضهم في صفه حتى هذا الأسبوع. وخلال عطلة نهاية الأسبوع، يدور النقاش في واشنطن حول أربعة خيارات للحد من مخاطر ترمب:

1. توافق نائب الرئيس بنس ونصف مجموع الوزراء على أن الرئيس ترمب لم يعد يملك الأهلية لممارسة مهام الرئاسة وفق التعديل 25 في الدستور: وهذا خيار مستبعد.

2. بدء محاكمة ترمب في مجلس النواب قبل تصويت مجلس الشيوخ على إدانته ابتداء من يوم الإثنين: خيار مرتقب لكنه سيأخذ بعض الوقت إلى ما بعد تنصيب الرئيس المنتخب جوزيف بايدن يوم العشرين من الشهر الجاري: احتمال عملي ومرتقب.

3. رفع حالة التأهب عبر الوكالات الفيدرالية خاصة وزارة الدفاع بعدم تنفيذ أي أوامر للرئيس ترمب في الأيام الإثني عشر المتبقية من رئاسته: وهو حل عملي بمقولة الأمر الواقع.

4. ممارسة الضغط على ترمب لكي يستقيل من منصبه بموازاة المحاكمة البرلمانية الحتمية على ما يبدو: لكنه احتمال مستبعد بالنظر إلى شخصية ترمب ومزاجه العنيد.

أصبح الرئيس ترمب في حالة تجميد وتهميش فيما يزداد دور رئيسة مجلس النواب في حماية المؤسسات الدستورية، وكما يقول التعبير الفرنسي، تم إيداع الرئيس ترمب في الثلاجة.

كانت محاولة الانقلاب الناعم في واشنطن بمثابة ثورة في فنجان، وعادت المؤسسة السياسية، وفي مقدمتها الكونغرس، بشكل حاسم لحماية أمريكا واحتواء ما سعى إليه ترمب وأنصاره. وبعد خمس ساعات من الاقتحام، عاد أعضاء الكونغرس إلى استئناف جلستهم وإقرار نتائج الانتخابات قبل الرابعة من صباح اليوم الموالي. لكن مشهد #الأربعاء_الأسود يثير سؤالا مهما: هل هناك فهم عربي واقعي ومتنور للنظام السياسي الأمريكي، وكيف تتحرك التوازنات والضوابط بروح الدستور في ضوء الأربعاء الأسود في واشنطن، وكيف #الفصل_والوصل في تركيب معرفة موضوعية بحقيقة أمريكا؟

من أغرب ما قرأته هو اجتهاد متنام هذه الأيام يقوم على فرضية مثيرة وهي تماهي انهيار أمريكا حاليا على غرار انهيار الاتحاد السوفياتي”، وكأن أصحابها توصلوا بألمعيتهم إلى لحظة “يوريكا”. شخص يقدم نفسه بعبارة “الدكتور..” وأنه “رئيس تحرير” وكالة أنباء عربية لها جمهور واسع، قارن بين “بداية انهيار الولايات المتحدة الامريكية وعلى الهواء مباشرة” و”انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991″. كان خيال هذا “المحلل” جامحا في الترويج لفرضية “نفس الاحداث ونفس الزخم ونفس البدايات. هناك حطموا تماثيل لينين واسقطوها ارضا وانقسمت جمهوريات السوفييت الى قوميات وكانت امريكا حينها ترقص فرحا وتركض من عاصمة الى اخرى وتغذي النزعات القومية للانشقاق والانقسام”.

عندما يصبح التحليل السياسي غير موضوعي ومغاليا في الترويج لمقولات من “عندياتنا”، يتوصل إلى خلاصات تليق بأفلام هوليود وليس واقع واشنطن، فهو يزرع في أذهان قرائه فكرة أن “أمريكا ستتحول الى حكم البنتاغون (حكم العسكر) وما ستقوله قيادة الجيوش سيحسم الامر”، وهذا تركيب نمطي ينسج على منوال الانقلاب السيساوي في مصر. ويجمح الخيال لدى صاحبنا بما هو أكثر غرابة بالتنبؤ بانهيار أمريكا بقوله “أما قيمة الدولار في سوق العملات وأمام بورصات العالم . فسوف تنزع صمام أمان الثقة عن عملة أقوى دولة في العالم.”

جموح الخيال والإسقاطات الذاتية لا يقتصر ان على شخص أو عشرة فحسب، بل هناك جمهرة من نجوم التحليل، عفوا التضليل السياسي، ممن ينفخون في فرضيات غريبة وخلاصات واهية قد تغرّر بذكاء الجمهور. كتب آخر يقول “أمريكا الامبراطورية تتداعى. وأمريكا الدولة داخل حدودها تعيش لحظة ارتباك غير مسبوق. ثلاث سنوات ونصف من حكم ترامب أدخل الدولة إلى فضاء لم تكن من الممكن أن تدخله في عملية تتشابه كثيرا مع ما فعله غورباتشوف نهاية حقبة الثمانينات من القرن الماضي في الاتحاد السوفيتي.”

لا خلاف على أن خطة ترمب انطوت على محاولة تجاوز الدستور والمؤسسة السياسية للبقاء في السلطة، وثمة أكثر من نقطة يمكن انتقادها في السياسة الأمريكية وإلى أين وصلت الولايات المتحدة في ظل الانعزالية السياسية التي كرسها الرئيس ترمب خلال السنوات الأربع الماضية. لكن أخشى أن يصبح التحليل تضليلا عندما لا يستند في خلاصاته إلى وقائع حقيقية ومؤشرات واقعية، وبالتالي يقدم إلى جمهور القراء والمشاهدين حبكة تسيء إليه في قراءة أمريكا. ويقدم هؤلاء أنفسهم بمظهر الواثقين من منهجيتهم العلمية كقول أحدهم “الشيء بالشيء يذكر، ونحن هنا لا مبتكر ولا نخترع نظرية ما، بل نعتمد القياس والتطبيق بطريقة علمية منطقية.”

مثل هؤلاء خبراء يدّعون القياس العلمي، وهو منهم براء.