اخبار الثقافة

18:30

من نبض المجتمع

اخبار الثقافة

16:12

من دروس الحياة

قراءة في الانتقال الديمقراطي بالمغرب

كتب في 1 فبراير 2021 - 3:19 م
مشاركة

بقلم محمد بحضاض

يعتبر الانتقال الديمقراطي مسلسلا حقيقا للتغيير يتم بواسطته الانتقال من وضع سياسي إلى آخر يدخل تغييرات على الوضعية الاقتصادية والاجتماعية وعلى المؤسسات القائمة والفاعلين السياسيين. ويعتبر الانتقال الديمقراطي عملية معقدة وصعبة كشفت التجارب أنها تتطلب تضحيات كبيرة، وتسببت في مقاومات وصراعات بين القوى القديمة والجديدة، وبين مراكز النفوذ وشبكات المصالح، الأمر الذي يفرض على الأطراف تقديم عدد من التنازلات والتفاوض على مجموعة من التوافقات. كما يفيد بكوننا أمام كيفية جديدة لوعي المجال السياسي، وأمام أسلوب جديد لممارسة السياسة والسعي إلى السلطة. ويستعمل مفهوم الانتقال الديمقراطي لوصف التحولات الجذرية التي تقع في نظام سياسي يتميز بطبيعته الشمولية، وهذه التحولات قد تأخذ أشكالا متعددة، وتتم على مستويات مختلفة، حسب تجارب الانتقال الديمقراطي التي عرفتها بعض المجتمعات في الربع الأخير من القرن الماضي. كما يمكن وصف الانتقال الديمقراطي بكونه مسلسلا يتم فيه العبور من نظام سياسي مغلق ولا يسمح بالمشاركة السياسية، أو تكون فيه الحقوق المرتبطة بالمشاركة السياسية مقيدة، إلى نظام سياسي مفتوح يتيح مشاركة المواطنين ويتيح تداول السلطة.

إن فصل الديمقراطية عن شروطها التاريخية والاجتماعية التي أنتجتها من قبل فرقاء الصراع داخل المغرب أفرغها من محتواها، وأضحت وعاء فارغا يمكن
ملؤه بحمولات أيديولوجية تتناقض وهذا هو السائد، مع جوهرها وفحواها.

يقتضي الحديث عن الديمقراطية استحضار حقيقتان الحقيقة الأولى: لا وجود للديمقراطية بدون وجود مجتمع مؤسس على المواطنة الكاملة، والمواطنة الكاملة تستوجب تساوي جميع أفراد الشعب الذين يعيشون داخل إطار سياسي واجتماعي واحد في الحقوق والواجبات. الحقيقية الثانية: الديمقراطية ليست تصورا جزئيا، بل هي تصور شمولي، وهذه الشمولية تطال الممارسة.

وفي إطار الصراع السياسي والاجتماعي الذي يعرفه المغرب، يلوح جميع الفرقاء بالديمقراطية كخيار لا رجعة فيه، غير أنه لا يتم تحديد ماهية هذا الخيار، ما يفضي إلى الحديث عن ديمقراطيات تختلف مضامينها باختلاف التوجهات السياسية والأيديولوجية لطارحيها بدعوى أن الديمقراطية إنتاج انساني مشترك، وبالتالي لا ينبغي شحنها بحمولات علمانية أفرزتها تجربة الدولة الغربية.

وقد عرفت مجموعة من الدول موجة التحول الديمقراطي، حيث حاولت الانتقال من النظم السلطوية إلى النظم الديمقراطية. وقد مست هذه الموجة عدد من الدول ومن بينها المغرب، حيث أنه مع بداية التسعينات من القرن الماضي، شهد هذا البلد ذو النظام الملكي مسلسلا من الإصلاحات الهرمية من القمة إلى القاعدة، كما ظهرت بعض بوادر الانفتاح والدخول في مسلسل من الإصلاحات القانونية والمؤسساتية أظفت على المشهد السياسي المغربي نوعا من الحركية.

عندما يضطرنا القول بتعقيدات المرحلة فيما يخص عملية الانتقال إلى الديمقراطية، فليس من باب المبالغة ولا من باب التيئيس. ولكن فقط من أجل إدراك ما يمكن أن يحيط من صعوبات بأي مشروع سياسي مجتمعي بديل يسعى إلى إحقاق الانتقال إلى الديمقراطية (…) كما أن استيعابنا وفهمنا لطبيعة هذه التعقيدات سيجنبنا السقوط في بعض التحليلات التبسيطية للأوضاع، سواء منها التي تقف موقف المنفعل أو بالأحرى المبهر مما يعيشه المجتمع من حراك شعبي والرهان عليه في إحداث عملية التغيير المنشودة، حتى وإن كان لا يمتلك تصورا مجتمعيا ولا أداة تنظيمية لإنجاز هذه المهام.

وتبقى الدولة المخزنية بما تشكله من إرث تاريخي يمتد لقرون من الزمن، تأقلمت خلالها مع كل الظروف، واستطاعت اجتياز الكثير من الظروف الصعبة، حافظت عبرها على استمراريتها ونسجت الكثير من العلاقات الاجتماعية والسياسية، وبنت الكثير من الولاءات باستعمال مختلف الوسائل التي تتراوح بين الترهيب والقوة من أجل إخضاع المجتمع أو من تعتبرهم خارجين عن طاعتها لسيطرتها المطلقة، تبقى أهم معرقل ومعوق لعملية التحول الديمقراطي بالمغرب. كما أن هذه التجربة العريقة للدولة المخزنية هي التي حالت دون سقوطها في الكثير من المحطات التاريخية، خاصة في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، عندما استشعرت ضعفها فوضت أمرها ومصيرها للإمبريالية من خلال التوقيع على معاهدة الحماية التي كان أهم بنوذها حماية السلطان والعرش.

وإلى جانب الدولة المخزنية، شكلت حركات الإسلام السياسي معرقلا حقيقيا لعملية التحول الديمقراطي بالمغرب، وهي التي عرضنا في مقالنا السابق لسياق نشأتها ومسارها السياسي والمساعدات الجلية التي قدمتها لها الدولة المخزنية من أجل كبح تنامي القوى اليسارية التقدمية التي شكلت معارضة قوية لنظام الحسن الثاني. ولا يختلف اثنان فيما يتعلق بارتباط هذه القوى منذ نشأتها وإلى حدود الساعة بالأنظمة الإمبريالية التي رعتها ودعمتها من أجل خلق حالة من عدم الاستقرار الدائمة داخل الدول والمجتمعات التي تعتبرها مناوئة لمصالحها الاستراتيجية. بل ذهبت الإمبريالية لأكثر من ذلك وأضحت تستخدم هذه الحركات بتفرعاتها المتطرفة لشن حروب بالوكالة من أجل تفتيت الدول والمجتمعات غير التابعة لها كليا، وذلك بإذكاء الحروب الطائفية والمذهبية بما يتماشى ومفهوم الفوضى الخلاقة.

عرفت الديمقراطية بكونها أصعب نظام عرف في مجال الحكم والسياسة لأنه لا يستقر أمره، إلا بتوفير شروط في طليعتها التربية الوطنية والسياسية الملائمة لممارسة الديمقراطية على أساس حق الانتخاب والنظام النيابي ومسؤولية الحكم والمعارضة ورقابة الرأي العام، فكل بلاد متأخرة بسبب ما يسود فيها من جهل وبؤس ويسيطر عليها من تعفن وفساد لا يمكن أن تكون ميدانا للتجربة الديمقراطية بكيفية سليمة ومرضية، وبهذا تكون الديمقراطية صورية “شكلية” كما تكون في صالح المسيطرين من ذوي النفوذ والامتيازات مهما ادعى القائمون على الشؤون العامة من خدمة الصالح العام أي صالح الجموع أو أكثرية المواطنين.