اخبار الثقافة

13:37

يوميات شاب عاطل … !

اخبار الثقافة

10:20

وَ مَرَّ الغَريبُ

“الأرواح المجندة”

كتب في 24 ديسمبر 2020 - 5:32 م
مشاركة

ادريس زياد لعالم اليوم الدولية

كان ابن الخطيب الأندلسي يبالغ جداً في مدح أمرائه، وكان يعلم أنه غير صادق، وأن الأمير يعلم أنه غير صادق، وهذه المبالغات موزعة بين نثره وشعره، وكتب أحد الأدباء: العظماء يرحلون سريعاً، في رثاء رجل حكم أكثر من حكام غرناطة مجتمعين، فتذكرت ابن الخطيب رحمهم الله، لكن ماسمعت مادحاً أكذب ممن قال:
إذا أثنينا عليك بصالح يوماً فأنت كما نثني وفوق الذي نثني
وإن جرى اللسان يوماً بمدحة لغيرك إنساناً فأنت الذي نعني

فعندما تعجب بأفكار حزب ما ويقنعك نهجه وتنتمي إليه واثقاً من قدرته على إحداث تغيير، تأكد بأنك عندها تكون قد تنازلت عن فكرك الشخصي أيضاً وأنك تدور وفق منظومة قد لا تعجبك أحياناً أخرى، لكنك ماض معها مقيداً بأفكارها منساقاً تحت جناحها، وأي تمرد منك أيها العبد الضعيف سيخرجك خارج الدائرة…

ما دفعني لقول ذلك هو بروز بعض الأحداث التي رأيت فيها البعض يتخلون عن واجباتهم الإجتماعية أو الإنسانية، لا لقصر في إنسانيتهم ولكن انصياعاً لرغبات سادتهم، وتنفيذاً لأوامر حزبهم، وأراه ضرب من الخنوع والخذلان أن يضع المرء ضميره جانباً ويغلق عقله حتى يبقى متمسكاً بحبل التنظيم حتى وهو يسوقه بعيداً عن آدميته وفطرته…

أيها الإنسان عندما تمسك بقلمك لتكتب ما يدور في صدرك، لا تلتفت إلا لضميرك ولا تكتب إلا فكرك، فالعاقل لا يلهث وراء السراب، أما أن تبيع عقلك لجماعة لن ترضى عنك إلا أن تكون لها حماراً مطيعاً خانعاً مغمض العينين يدور حول الرحى، فقد انتهى عهد الرق والعبودية، والذي يعاقر الذل تفسد حاسة التذوق لديه، فلا يستسيغ العزة ويصعب علاجه…

أيتها الأحزاب التي يغريها جمع العبيد من كل الأطياف والألوان لتلقمهم أوامرها قبل أموالها، دعي عصافيرك تغرد بحرية، حتى لا تهجر أشجارك وتبتلع كما ابتلعت غيرك الغابة، فالوطن أرض واحدة تضم الأحياء والأموات والمواليد الجدد، إننا ننتمي إلى أوطاننا مثلما ننتمي إلى أمهاتنا، والوطنية هي ينبوع التضحية، جميل أن يموت الإنسان من أجل وطنه ولكن الأجمل أن يحيى من أجل هذا الوطن، ولا يوجد وطن يملأ قلوب أبنائه مثل وطنهم ولا توجد قلوب مليئة بالوطن كقلوبهم، رغم الظلم والألم تجاوز حب الوطن عندهم حدوده…

فشتّان بين من يجندون بطونهم خدمة لأوطانهم ومن يجندون أوطانهم خدمة لبطونهم، والوطن لا يصنع تاريخه إلا ذو روح زكية، وهمة عليّة، ونفس بالمكرُمات رضيّة، منغمسة في فعل الخيرات، واغتنام البُرور والصالحات، غير متذبذبة في الولاءات، والأرواح جنود مجندة وسيوف مُهنّدة والأرزاق سهام مسددة ولله حكمة ومدداً، والوطن ما تعارف منه ائتلف وما تناكر منه اختلف، والوفاء سيف الصادقين.