في ذكرى استشهاد عمر بنجلون..

كتب في 18 ديسمبر 2020 - 11:50 ص
مشاركة

عبد الحق عندليب(*)

القاتل يقتل مرتين..
حفي المرة الاولى يقتل..
وفي المرة الثانية يحاول إخفاء جريمته عن طريق النسيان..
ففي المرة الثانية الخطأ ليس خطأ القاتل، بل خطؤنا نحن..

في مثل هذا اليوم من سنة 1975، صادفت داخل أسوار كلية العلوم بالرباط الأستاذ محمد الرماح، أستاذ التعليم العالي في الكيمياء العضوية، كنت وقتها طالبا بالسنة الثانية. الصديق الرماح من جنسية تونسية تعرفت عليه بمدينة بوزانسون Besançon بفرنسا سنة 1974 كان متزوجا بأخت اتحادية من مدينة مراكش، وكانت تنتمي إلى نفس الخلية الاتحادية التي كنت أنتمي إليها وكان المرحوم المناضل الكبير محمد السفياوي، أستاذ الكيمياء العضوية مسؤولا عنها. أثناء هذه المصادفة زف إلي الصديق الرماح خبرا مفجعا لازال صداه يرن في دواخلي بشكل رهيب، حيث قال لي بالفرنسية J’ai appris que Omar Benjelloun l’on assassiné وباندهاش كبير سألته وأنا لا أكاد أصدق ما أسمع، هل أنت متأكد أم تمزح؟ وهل تتحدث عن عمر بنجلون عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية؟ فما كان من الصديق الرماح إلا أن أكد لي الخبر وعيناه مغرورقتان بالدموع. في تلك الأثناء نسيت الكلية ونسيت الدرس الذي كنت ملزما بالحضور لتلقيه في المدرج بمعية زملائي الطلبة وأخدت أركض في كل الاتجاهات بحثا عن بعض الإخوة الاتحاديين لاستيقاء المزيد من التفاصيل…وبالفعل تأكد الخبر الفاجعة…إنهم فعلا قتلوا عمر…ولم يدور في خلدي آنذاك من مسؤول عن الجريمة سوى النظام، حيث استحضرت لحظتها ما عاناه الشهيد من اعتقالات تعسفية وتعذيب وحشي ومحاكمات صورية طيلة حياته النضالية، واستحضرت على الخصوص الدور المحوري الذي قام به الشهيد في محاولة وضع أسس العمل النقابي الصحيح من خلال نضاله داخل النقابة الوطنية للبريد ومن داخل الاتحاد المغربي للشغل، واستحضرت كذلك دوره في صياغة القرارات التصحيحية التاريخية ل 30 يوليوز 1972 في مواجهة النزعة الانتظارية والبيروقراطية والخبزية المهيمنة داخل الاتحاد المغربي للشغل، واستحضرت كذلك دوره الأساسي في التحضير والإعداد المادي والأدبي للمؤتمر الاستئنائي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي انعقد في يناير 1975 خاصة صياغته للتقرير الإيديولوجي الذي يعد أهم وثيقة مرجعية تاريخية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

#لماذا اغتالوا عمر ؟
إن جريمة اغتيال عمر بنجلون كقائد سياسي من القادة التاريخيين للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لايمكن عزله عن سياقه التاريخي والسياسي وعن المسار النضالي الحافل لشهيد الشعب المغربي والطبقة العاملة .
فمنذ سنوات الدراسة الابتدائية والثانوية بمسقط رأسه عين بني مطهر بنواحي وجدة ثم بمدينة وجدة، ومنذ سنوات التحصيل العلمي بمدينة باريس بفرنسا حيث أنهى مشواره التعليمي بالحصول على الإجازة في الحقوق ودبلوم الدراسات العليا في القانون العام ودبلوم المدرسة العليا للبريد، برز الحس النضالي لدى الشهيد عمر بنجلون وظهرت كفاءته وحنكة السياسية والفكرية.
وفي هذا الصدد وجب التذكير بأن عمر بنجلون كان مسؤولا في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ورئيسا لجمعية الطلبة المسلمين بشمال إفريقيا بالديار الفرنسية وكان من أبرز المناهضين للاستعمار الفرنسي بالقطر الجزائري حيث نظم العديد من الاحتجاجات وحملات التضامن مع الثورة الجزائرية. وبعد إنهاء دراساته العليا في سنة 1960 التحق بالمغرب ليتم تعيينه مديرا إقليميا للبريد بالدار البيضاء ثم مديرا إقليميا للبريد بالرباط، حيث عمل على تأسيس النقابة الوطنية للبريد التي شكلت رأس الرمح في سلسلة النضالات العمالية التي شهدتها بلادنا طيلة مرحلة الستينات. ومن موقعه النقابي ككاتب عام للنقابة الوطنية للبريد حاول الشهيد عمر بنجلون المساهمة في تصحيح العمل النقابي من خلال مناهضة البيروقراطية والنزعة الانتظارية والميولات التحريفية بعزل العمل النقابي عن العمل السياسي، حيث تعرض إثر ذلك لشتى أنواع التنكيل من طرف القيادة البيروقراطية للاتحاد المغربي للشغل بلغت حد الاختطاف والتعذيب… ونتذكر هنا مضمون الرسالة التاريخية التي بعث بها الشهيد إلى المحجوب بن الصديق الكاتب العام للاتحاد المغربي للشغل حيث جاء في مستهلها: “الأخ المحجوب الكاتب العام للاتحاد المغربي للشغل،…للمرة الثانية، يتم اختطافي وتعذيبي في أحد الأقبية. الأولى وقعت يوم 20 دجنبر 1961 على الساعة الواحدة والنصف صباحا، كان ذلك بمناسبة الإضراب العام الذي قررته فيدراليتنا الوطنية للبريد. إضرابا كان ناجحا باهرا للاتحاد المغربي للشغل كما عنونت جريدة ” الطليعة”. اختطفت من طرف عصابة خاصة تابعة للسلطة الفيودالية، هذه الأخيرة قررت تنفيذ العملية عندما اقتنعت بأن الإضراب فعلي، كان لابد لها من مسؤول لتمارس عليه انتقامها الأخرق. وكان لي شرف هذا الاختيار. أقول شرف، لأن قناعتي الراسخة هي أن الطبقة العاملة تشكل الطليعة الطبيعية في الكفاح الفعلي والملموس الذي يجب أن يخاض ضد الفيودالية والبورجوازية والامبريالية. وهذه المرة ، لا استطيع للأسف، أن أتحدث عن شرف، فباسم الطبقة العاملة تعرضت في واضحة النهار للاستفزاز من طرف مسؤولين في الاتحاد المغربي للشغل، أمام أنظار حراس الاتحاد المغربي للشغل وحياد متواطئ من طرف الشرطة، وتعرضت للضرب واللكم ونقلت إلى قبو، تعرضت داخله في ظرف 12 ساعة لثلاث حصص من التعذيب تجاوزت وحشيته ما تعرضت له خلال السنة الماضية، لأن الأمر في المرة الأولى كان مجرد تهديد. تصرف أخرق كذلك أصر على أن أحكي تفاصيله، أتوجه إليك بصفتك الكاتب العام للاتحاد المغربي للشغل الذي أنا أحد مناضليه، كما أنني أحد مناضلي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي أنت أحد قاداته الذين رسموا توجهه وعقيدته…”
وواصل الشهيد في رسالته :”… إسمح لي أخيرا أن اعتبر أن الصمت في مثل هذه الظروف، سيكون خدمة موضوعية تقدم للنظام الفيودالي الذي استفاد من الصمت الذي أحاط منذ زمن بعيد من الأخطاء المتراكمة”.

#عمر بنجلون وقرارات 30 يوليوز 1972:
منذ تأسيسه سنة 1959، لم يتخلص الاتحاد الوطني للقوات الشعبية من كل تناقضاته الداخلية التي حملها معه من حزب الاستقلال حيث برز صراع بين توجهين أساسيين، توجه سياسي قاده الشهيد المهدي بن بركة والمرحوم عبد الرحيم بوعبيد والشهيد عمر بنجلون والمرحوم عبد الرحمان اليوسفي والمرحوم محمد البصري، وتوجه نقابي قاده المحجوب بن الصديق وعبد الله إبراهيم، حيث أدى هذا الصراع إلى إفشال المؤتمر الثاني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية برفض قراءة التقرير الذي أعده الشهيد المهدي بن بركة والذي حمل فيما بعد اسم “الاختيار الثوري” . كما أدى إلى تجميد هياكل الحزب طيلة سنوات الستينات وبداية السبعينات.
أمام هذا الوضع اضطر أغلبية أعضاء اللجنة الإدارية والمجلس الوطني للحزب إلى اتخاذ جملة من القرارات التاريخية حملت عنوان “قرارات 30 يوليوز 1972 ” من بينها على الخصوص اعتبار التقرير المذهبي الذي تقدم به المرحوم عبد الله إبراهيم أمام المؤتمر الثاني مجرد غطاء وتبرير متواطئ مع مخططات النظام المخزني، كما تضمنت المقررات قرار إعادة هيكلة فروع الحزب على المستوى الوطني والتحضير للمؤتمر الثالث والذي اعتبر فيما بعد مؤتمرا استثنائيا لم ينعقد إلا بعد مرور ثلاث سنوات، أي في يناير 1975، بسبب القمع الشرس الذي تعرض له الحزب على خلفية أحداث مولاي بوعزة التي اندلعت في 3 مارس 1973 حيث زج بآلاف المناضلين والمناضلات الاتحاديين في غياب السجون والمعتقلات وتعرضت صحافة الحزب للمنع ومقراته للإقفال. وتضمنت المقررات كذلك الإعلان عن فك الارتباط التنظيمي مع الجناح النقابي البورصوي للاتحاد المغربي للشغل وتغيير اسم الحزب من الاتحاد الوطني إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تماشيا مع هويته الاشتراكية.
الشهيد عمر بنجلون كان حاضرا بقوة في هذه المحطة المفصلية من تاريخ الحزب سواء من خلال صراعه المباشر والميداني ضد الجناح النقابي البيروقراطي أو من خلال مساهمته في وضع أسس عمل نقابي جديد ملتزم بالقضايا المصيرية للطبقة العامة وعموم الشعب المغربي من خلال تأسيس وقيادة النقابة الوطنية للبريد التي قادت نضالات تاريخية قوية متحررة من هيمنة وضغوطات القيادة البورصوية للاتحاد المغربي للشغل. كما تمثل حضور الشهيد عمر، حسب ما أشرت إليه سابقا، في صياغة مقررات 30 يويلوز 1972 وفي إشرافه المباشر على الاتصالات بالقواعد الحزبية لإعادة بناء الفروع والقطاعات الحزبية في مختلف الأقاليم، حيث توج هذا العمل الجبار والمتواصل الذي تم رغم توالي حملات التضييق والقمع بعقد المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في يناير 1975.

#عمر بنجلون وميلاد الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية:
مباشرة بعد إتمام انجاز المهام التي تضمنتها قرارات 30 يوليوز 1972، بدأ الشهيد عمر بنجلون في التحضير الابي والمادي للمؤتمر الاستئنافي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بمعية تلة من قادة الحزب وذلك تحت إشراف القائد الاتحادي الفذ الراحل عبد الرحيم بوعبيد، حيث كلف بإعداد التقرير الأيديولوجي الذي يعد أهم وثيقة مرجعية تاريخية في حياة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. وللإشارة فقد تضمن التقرير المذكور تحليلا ملموسا للمجتمع المغربي محددا معالم تطوره بمنهجية علمية ثاقبة مكنت الحزب من وضع قطيعة مع اللاوضوح الفكري والمذهبي والسياسي الذي ساد خلال الحقبة الماضية من حياة الحزب حيث وضع أسس الإستراتيجية النضالية للحزب المبنية على ثالوث التحرير- الديمقراطية-الاشتراكية واعتبر أن الخيار الديمقراطي السلمي هو السبيل لتغيير الأوضاع في بلادنا وتحقيق المشروع المجتمعي للحزب وبأن الرهان على الشعب من خلال إشراكه في المعارك السياسية وفي بلورة القرارات المصيرية للبلاد اختيار محوري لا محيد عنه. فمن خلال هذا التقرير أصبحت للإتحاد الإشترلاكي للقوات الشعبية بوصلة نظرية في قيادة وتوجيه نضالاته بناءا على إستراتيجية النضال الديمقراطي،
و هي الإستراتيجية التي تحققت على أرضيتها العديد من المكاسب السياسية سواء في مجال الإقرار بالحريات العامة وحقوق الإنسان أو بإصلاح مؤسسات الدولة أو بإقرار الإصلاحات الدستورية التي شهدتها البلاد خلال سنوات 1992 و1996 و2011، أو بتدشين التناوب السياسي الذي قاده المجاهد المرحوم عبدالرحمان اليوسفي والذي أنقد المغرب من السكتة القلبية من خلال تبني العديد من الإصلاحات الأساسية في تدبير الشأننين الوطني والمحلي والتي لولا الخروج عن المنهجية الديمقراطية ولولا الركوب على ما يسمى بالربيع العربي لاستطاع المغرب تاسيسا عليها تجاوز العديد من الإختلالات التي استمرت في إعاقة التطور المؤسساتي والاقتصادي والاجتماعي والتنموي للبلاد.

#من هي الجهة المدبرة لجريمة إغتيال عمر ابن جلون؟:
يبدو للوهلة الأولى من خلال الوقوف على بعض الوقائع أن الخلية المنبثقة عن التنظيم الإرهابي المسمى ” الشبيبة الإسلامية ” الذي ابتليت به البلاد في مطلع السبعينات والذي أسسه الهارب من العدالة المدعو عبدالكريم مطيع والمكونة من : سعد أحمد و مصطفى خزار وعمر أوزوكلا ومحمد حليم وأخرين، هي التي نفذت الجريمة من خلال ترصد تحركات الشهيد عمر طيلة شهور، حيث اعترضت سبيله خلال ذلك اليوم المشؤوم و هو عائد من مقر عمله بجريدة المحرر، فحاولت في البداية استفزازه بافتعال نقاش معه انتهى بتوجيه ضربة قوية من الخلف بقضيب حديدي على مستوى الرأس من طرف المجرم أحمد سعد ثم بتوجيه طعنة على مستوي القلب وجهها له السفاك مصطفى خزار بواسطة ” مفك براغي” Tournevis. وبعد تنفيذ الجريمة النكراء لاذ المجرمان القاتلان بالفرار حيث تمكن أحد رجال الشرطة الذي عاين الجريمة من إلقاء القبض علي أحد المجرمين. بعد ذلك وتحت ضغط فورة الغضب والاستنكار والشجب الذي عبر عنه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تواصلت الاعتقالات لتشمل عددا من أعضاء العصابة المكلفة
بتنفيذ الجريمة.
إلا أن ما شهدته أطوار محاكمة الجنات المجرمين الذين تم إلقاء القبص عليهم من شبهات واختلالات وخروقات كانت تهدف إلى التستر عن مدبري ومخططي الجريمة حيث اختفت العديد من الوثائق من ملف الجريمة، كما تم الإدعاء بهروب المدعو النعماني بعد اعتقاله، و هو الساعد الأيمن لزعيم الشبيبة الإسلامية عبدالكريم والذي كلفه بالإشراف علي تنفيذ الجريمة. كما استطاع عبدالكريم مطيع الهروب إلى السعودية متسللا من سبتة بعد أن اختفى في ضيعة تابعة للدكتور عبد الكريم الخطيب، هذا الأخير الذي يعتبر من مؤسسي ما يسمى بجبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية “الفديك” التي أسسها مستشار الملك الراحل الحسن الثاني أحمد رضا أكديرة. وللتذكير فقط فقد قام الخطيب بالتدخل لدى بعض الجهات لتيسير عملية فرار مطيع عبر مدينة سبتة المحتلة ليصل إلى السعودية ثم إلى ليبيا ثم ليعود إلى السعودية حيث لازال مسقرا إلى يومنا هذا البلد.
وللمزيد من التوضيح فإن الدكتور عبد الكريم الخطيب، وهو من أصل جزائري، قد كان من قادة “الفديك” التي تأسست في مطلع الستينات للدفاع عن التوجه اللاشعبي واللاديمقراطي لحكم الاستبداد ولقطع الطريق عن احزاب الحركة الوطنية، حيث عملت بدعم من أوفقير و رموز الحكم انذاك على تزوير الانتخابات وبالتالي تنصيب مؤسسات تمثيلية مشوهة وهجينة والتي تتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية في عرقلة و تعطيل مسلل بناء دولة الاستقلال على أسس تحريرية و ديمقراطية وشعبية. كما تجدر الإشارة إلى أن الدكتور عبد الكريم الخطيب، وهو كذلك مؤسس حزب العدالة والتنمية الذي تتشكل قيادته وعدد من أطره التي تشبعت الفكر الإخواني الذي كان يعتنقه تنظيم “الشبيبة الاسلاميىة” حيث تعتبر حركة التوحيد و الإصلاح، الجناح الدعوي لحزب العدالة و التنمية امتداد لهذا التنظيم.
و لا يسعنا هنا إلا أن نذكر بأن عبد الإله بن كيران الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية رئيس الحكومة الاسبق قد قاد مظاهرة مكونة من عدد من أتباع تنظيم الشبيبة الإسلامية للتنديد باعتقال ومحاكمة العصابة الإجرامية التي نفذت جريمة اغتيال الشهيد عمر بنجلون، حيث صرح علانية أمام المشاركين في هذه المظاهرة قائلا : ”أمن أجل كلب أجرب يحاكم خيرة شبابنا …” وهو تصريح يحمل من الدلالات السياسية الشيئ الكثير ويؤكد في نفس الوقت الميول الإرهابية لمدبري الجريمة ويؤكد على علاقات هؤلاء الإرهابيين بخدام الاستبداد الذين دبرو كل المكائد للشهيد عمر بن جلون، حيث حاولوا تصفيته عن طريق الحكم الصادر في حقه في سنة 1964 وحاولوا تصفيته عن طريق إرسال طرد ملغوم في سنة 1973 والذي استطاع الشهيد تفكيكه بفضل حنكته كمهندس بريدي، و هي نفس العملية التي استهدفت الكاتب الأول السابق للإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية الأخ محمد اليازغي والتي أصيب على إثرها بجروح بليغة و عاهات جسدية مستدامة كادت أن تودي بحياته.

#ملف الشهيد أمام أنظار هيئة الإنصاف و المصالحة :
بعد وفاة الملك الراحل الحسن الثاني وتولي ولي العهد محمد السادس الحكم، وفي سياق الإنتقال الديمقراطي الذي شهده المغرب من خلال تنصيب حكومة التناوب برئاسة المجاهد المرحوم عبدالرحمان اليوسفي تم تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة من أجل تسوية ملفات ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وفق مرتكزات العدالة الانتقالية إسوة ببعض التجارب الدولية في هذا المجال لاسيما تجربة جنوب إفريقيا.
وفي هذا الصدد قدم الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية أربع ملفات إلى هيئة الإنصاف المصالحة مطالبا إياها بالكشف عن الحقيقة في شأنها و يتعلق الأمر بملفات الشهيد المهدي بنبركة والشهيد عمر بن جلون
والشهيد محمد كرينة وملف الطرد الملغوم الذي وجه للأخ محمد اليازغي. و أتذكر هنا بأن الوفد الذي استقبله الراحل إدريس بن زكري رئيس هيئة الإنصاف والمصالحة عن الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية كان يتكون من الإخوة محمد اليازعي و إدريس لشكر و محمد كرم و عبد الرفيع جواهري . حينها كنت أعمل بالهيئة حيث عينني الراحل ابن زكري كمتعاون معها بصفتي مناضلا حقوقيا ينتمي للمنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف.
وقد حاولت هيئة الإنصاف
والمصالحة القيام بتحرياتها حول الملفات المعروضة عليها ومن بينها ملف الشهيد عمر بن جلون لكنها ووجهت بعدد من العراقيل و ضعف التعاون من طرف الجهات المسؤولية لتسليم الأرشيف والوثائق المتعلقة بهذه الجرائم و كذلك رفض بعض المسؤولين الإدلاء بشهادتهم، لتبقى الحقيقة غير مكتملة و مناطق الظل واسعة والغموض كببر في العديد من الجوانب و بالتالي لم تتمكن الهيئة بالخروة بخلاصات واضحة وان ترتب القرارات اللازمة في إطار مقتضيات العادلة والإنصاف وهو ما جعل المنتدى المغربي من أجل الحقيقة و الإنصاف كجمعية تمثل ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي عاشتها بلادنا على امتداد عقود من الزمن مستمرا في المطالبة بالكشف عن الحقيقة الكاملة حول ظروف و ملابسات جريمة اغتيال الشهيد عمر بنجلون وتحديد المسؤوليات المؤسساتية و الفردية و ترتيب مايلزم من إجراءات الإنصاف قبل طي الملف.

#أي أفق لتسوية ملف الشهيد عمر بنجلون؟
في عرف القانون الدولي لحقوق الإنسان فإن الجرائم المرتبطة بالقتل خارج نطاق القانون غير قابلة للتقادم. لذا فإن تطبيق مقتضيات العدالة الانتقالية لا يتنافى مع : ضرورة الكشف عن الحقيقة الكاملة حول جريمة اغتيال الشهيد عمر ابن جلون و ضرورة جبر الأضرار المترتبة عن اغتياله سواء الأضرار التي لحقت بأسرة الشهيد أو الأضرار الظياسية التي أصابت حزبه، كما تقتضي هذه المقتضيات حفظ ذاكرة الشهيد باعتباره ضحية من ضحايا انتهاك جسيم لحقوق الإنسان و بصفته وطنيا وزعيما سياسيا لحزب وطني كبير و هذا ما يفرض تخليد اسمه من خلال تسمية بعض الشوارع و المؤسسات العمومية باسمه إسوة بباقي الزعماء الوطنيين من أمثال الشهيد المهدي بن بركة و الراحل عبد الرحيم بوعبيد و المرحوم عبدالرحمان اليوسفي.

رحم الله شهيدنا الكبير عمر بن جلون الذي كرس حياته لخدمة شعبه ووطنه.

* المنسق الوطني للجنة الشؤون السياسية و المؤسساتية والحقوقية المنبثقة عن المجلس الوطني للإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية.
* نائب رئيس المنتدى المغربي من أجل الحقيقة و الإنصاف.