أخبار دولية

9:15

جواسيس ميركل

اخبار الثقافة

16:27

فقدان حاسة الشم

لحظة مجازفة

كتب في 28 نوفمبر 2020 - 12:20 م
مشاركة

بقلم عبد الكريم ساورة
هل كان ضروريا أن نلتقي ؟ لاأريد أن يتكرر هذا المشهد إلا مرة واحدة، لأنني أول مرة في حياتي أشعر بهذا الإحساس الغريب، القدر، هذا المسافر العنيد، أبى إلا أن يأخذني معه في رحلة محفوفة بالأشواق، بالعذاب، أين يمكنني أن أضع قدماي الصغيرتين، رأسي يكاد يتفجر، أبحث عن حضن بلون الأرض و بعلو السماء، أكاد أجزم أن كل الطرق قدري، للقاء بك في لحظة مجازفة.
حان الوقت لأخبرك أن الحياة مجازفة، لقد تعلمت هذا عندما عرفت بالصدفة أنني مغرم بك، وكنت على وشك الإعتراف لك بكل التفاصيل، لكن أين هي المجازفة ؟ لازلت أنام على نفس السرير، ولم أغير حتى الآن لون الوسادة، كل شيء لازال في مكانه، وحدها الكتب من تتحرك بنفسها، أو بالأحرى تدافع عن بقاءها لتعيش أكبر مدة في هذه الغرفة الباردة، وماذا عن المرآة ذات الإطار الخشبي المعلقة بقرب السرير ؟ إنها الوحيدة التي تفضحني، تعري ذلك الشيب الأبيض الذي ينبت على جنبات رأسي، وتفضح نظراتي المشوبة بالعياء، إنها تخونني عندما لا تضعني وجها لوجه مع ندوبي القديمة.
هاهي صورة صغيرة لممثل شهير، أضعها على الأرض كنت أحبه وهو يتقمص أدوارا هزلية، لا أعرف لماذا كان يبتسم طوال الوقت، ما الذي يربط بيني وبين هذا الممثل الأحمق، أو بالأحرى المهووس بالانتحار؟ الفن انتحار، والغرام انتحار قبل الوقوع فيه، وإذا وقعنا ما الذي يجعلنا نسقط بهذه السهولة ؟
كل ما أتذكره أن اللقاء كان مفاجئا، مصادفة أقرب إلى الخيال، كانت تنظر إلي بدهشة وشعرها الأسود الطويل يسقط على ركبتيها،اقتربت مني وقالت بصوتها الملائكي وهي تهمس في أذني، وهل هناك أجمل من المصادفة؟
ابتسمتْ، كانت ابتسامتها تشبه السحر، بل السحر نفسه عندما تجعلك تتلعثم وتفقد حاسة الكلام، وماذا ينفع الكلام عندما يتكلم الجمال ؟
كنت أشعر بالتوتر، الوقت يعاكسني، والعرض لايريد أن ينتهي، فقرة تتبعها فقرة ومعاناتي تزداد مع الفقرات، وفي كل مرة كنت أرفع رأسي نحوها مباشرة أجدها تنظر إلي وترفع من منسوب ابتسامتها، لكن تصفيقات الجمهور كانت تطفأ ذلك الخط المشتعل بيني وبينها، كانت لغة العيون وحدها تقرب بيننا مسافة الأشواق الملتهبة.
انتهى العرض وذهب كل واحد لحال سبيله، لكن صورتها ظلت عالقة في ذهني، كلما خلوت بنفسي بغرفتي الصغيرة، أجدها تتمشى بين عناوين الكتب النائمة قرب السرير، وكلما نظرت إلى ابتسامة ذلك الممثل المجنون، أجدها تبتسم لي بالقرب منه، ياالله إنها أضحت تقتسم معي كل شبر صغير من غرفتي، إنني أتنفسها، ومن خلالها أتنفس الحياة، أطفأت الأضواء أريد أن أنام بسرعة، أريد أن أصافح هذا الحلم كل ليلة، أريد أن ألتقي بها هذه الليلة، نعم هذه الليلة، لأقول لها إنني مغرم بك.