اخبار الثقافة

13:25

الحرية لكافة معتقلي الرأي

لا صلح ولا مهادنة

كتب في 23 نوفمبر 2020 - 7:16 م
مشاركة

ادريس زياد لعالم اليوم الدولية 

جاءت تلك المرأة لتسحب الوثائق التي تثبت ولادة أبنائها، تضاعفت آلامها حينما رأت في الصف المخصص للرجال زوجها ينتظر دوره لسحب وثائق ولادته، بدأ يتمتم وكأنه يمرر رسائل مشفرة، رفعت رأسي فوجدت رجلاً طويل القامة، هزيلاً، أجوفاً، غرير العين، شاحب الوجه، مصفر الخدين، منهك القوى، تظهر عليه علامات التعب، رجل ثرثار لا يرد لسانه، يسأل السؤال ويجيب عليه، معروف في الوسط الإجتماعي بتناوله لمادة الكيف، لم ترد عليه ولو ببنت شفة ولم تلتفت إليه، اصفرّ وجهها الذي يبدو أنه كان جميلاً، فهمت من خلالهما أنهما مقبلان على إنهاء العلاقة الزوجية…

بحكم العلاقات الإجتماعية في لبْلادْ، تذخلنا لإصلاح ذات البين، قابلتنا تلك المرأة وهي مكسورة الخاطر والفؤاد، بالصمت في باديء الأمر، تم الصمت والبكاء ثانياً بين نشيجها المتقطع وشهيقها اللاهت…
الثرثار لم يصمت حتى انفجرت في وجهه صارخة أنها لم ولن تكون من نصيبه ثانية، مضيفة بأنها تحس بتقل العبء الذي تتحمله جراء استمراره بنعتها بالشتائم المشينة والسباب المقذع، الرجل في وضع لا يحسد عليه وغير راض لما وصل إليه حالهما خصوصاً بعد تعنيفه من طرف أحد أبنائه، ولإحساسه بخطورة الموقف الذي هو فيه والذي يعلم جيداً من خلاله بأنه فكاك لرابطة الزوجية وأنه دمار للأسرة…

قَبّل المسكين رأسها ويدها وانحنى على ركبتيه الضعيفتين، وراح يبكي بكاء مُرّاً دون أن يعي الكلمات التي تبعثرت منه، مضت لحظات صمت إلا من صوت نحيبه، تَطلّع إليها مرة أخرى للحظة تم عاد يصوب بصره إليها مرة ثم إلى الأرض مرة ثانية، هزت رأسها كمن تذكر فجأة شيئاً طال عليه الأمر فنَسِيَه، أرادت أن تغادر القاعة التي كنا نسعى فيها لإبرام اتفاق الصلح، نظرت إليه بتوجس وهمت دون أن تبالي، لم يكن الموضوع سهلاً فقد بدا من عبوسها وجديتها أنها جاءت محملة محمل الجد، ألاّ صلح ولا مهادنة ولا حتى العودة إلى بيت الزوجية…

يا ترى ما الذي يصنعه الجنون إذا حل بالإنسان العاقل، هل حقاً يفقده عقله أم ينجيه ليبقيه حياً متكيفاً مع أسوأ الظروف، وهل من حق المرء أن يختار الطريق التي لا يريد أن يسلكه كاختياره للطريق الذي يريد أن يسلكه، لكن الناس تنظر بعين الرضى عمن يختار طريقه ليمشي فيه وتنظر بعين التعجب للذي يختاره لكي لا يمشي فيه!