اخبار الوطن

17:09

الإكتئاب السياسي

موسم الزيتون أيام الزمن الجميل.

كتب في 11 أكتوبر 2020 - 7:24 م
مشاركة

ادريس زياد لعالم اليوم الدولية

لازال والدي يعتبر أسعد لحظات العمر في أوقات المواسم، موسم الحرث، موسم الحصاد، موسم قطف الغلال، ومن بينها قطف أو كما نسميه بالدارجة (حلب) الزيتون، البراد والصينية وخبز الشعير وزيت الزيتون وقُلّة الماء البارد نشوة حياته وهو تحت ظل الشجرة وهذه الأشياء أمامه، كان موسم (حلب) الزيتون في البادية أشبه بمهرجان يدوم لعدة عدة أيام…

ينتقل من شجرة زيتون إلى أخرى وهو يردد قول الله تعالى “الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح……….شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء…” يراقب العمال وهم يقطفون الزيتون بمهارة، يفصلون عنه ما علق به من أعواد وأوراق، ويملأون أكياس الخيش المسمى “الشتم” ذي الخط الأحمر في وسطه، لعدم وجود صناديق بلاستيكية في ذاك الوقت، تم يضعون الأكياس فوق ظهر الحمار، بعد توازنها على ما يسمى بأعين “الشواري”الممتليء أيضاً بحبوب الزيتون، والحمار كان هو وسيلة النقل الوحيدة باتجاه المعصرة التقليدية، قبل أن تظهر العربات المجرورة على الدواب…

على مقربة من دارنا هناك أراض فلاحية تسمى “الخُرب” في بلد جميل أهله، كان الماء يجري على وجه الأرض، فيها عيون دافقة تسمى “العوين البيضة” و”لالة شافية”و”لالة صفية”أو “الگزولية” و”المشرع” و”عين بوعسيلة” و “عين ضراوة” و”إيسول” بفضلها والفضل لله كانت الغلال وفيرة والخيرات كثيرة، وكانت ولازالت لنا أرض تسمى “جنان بلحداد” كنا نعشق الذهاب إليه خصوصاً في مواسم جني غلال الزيتون والرمان، نعم هو جنان بكل ما للكلمة من معنى، وبالقرب منه كان هناك بناء قديم يحيط به سور عال وكبير مبني ب” التابوت” وهو طين من نوع خاص يُبلل ويُدك بآلات خشبية ويستعمل لهذا النوع من البناء، وهذا المكان يسمى “القصر” يرجع أصله إلى عهد السلطان الأكحل، هذا ما أخبرنا به والدي، كنا من شدة خوفنا عند الإقتراب منه نصرخ بأعلى صوتنا لنسمع رجع الصدى، كان يتردد هذا الصوت في الأودية القريبة “واد تساوت” و”الواد الأخضر”..

لا زلت أتذكر شجرة الخرّوب المعمرة والكبيرة الحجم والمغروسة على الحدود بين الجنان والقصر، كنا نتغدى على ثمارها وأحياناً أخرى كنا نصنع من عظم القصبة المستدير الأجوف ذي العقدتين ما نسميه *فردو* نفتحه من جهة واحدة لنملأه ب “حب الشدّير” وهو نوع من الثوث البري ينبث على شجر شوكي قصير وصغير يسمى “الشدٌير” غالباً ما يغرسه الفلاحون لترسيم حدود البساتين، نأتي به ونضعه داخل ما نسميه “الفردو” حتى يمتليء وندقه بعود “الشدّير” المنقى من كل الشوائب، حتى يصبح عصيراً طازجاً لنستمتع بشربه…

كان الجنان والقصر من الأماكن الحاضرة في موسم قطف الزيتون، وبالمناسبة تذكرت موسم قطف الزيتون لعام ستة وسبعين وتسعمائة وألف وهو العام الذي يذكره الجميع باسم عام “الظلمة” وهو يوم أسود، شبه إعصار، رياح عاتية، احمرار الشمس، بعدها سواد ليل بهيم في عز النهار، ذهب الوالد إلى المنزل لقضاء بعض الأغراض، بقينا إخوتي وأنا نواجه الرعب، كان أحد الملاكين رحمه الله تعالى بقربنا، احتضننا وأخذ يتنقل بنا إلى العراء من تحت أشجار الزيتون العالية التي تقتلع متتابعة من جذورها، وهو يدعو اللطيف، إلى أن نجونا بفضله وبفضل الله تعالى، بعد وقت ليس بالقصير، جاء الوالد وهو في حالة رعب وهلع شديدين، وما بعد الضيق إلا الفرج، ومن رحم المعاناة يولد الفرج وبعد الظلمة والشدة انبلج نور الفرج.