حوانيت البادية

كتب في 8 أكتوبر 2020 - 7:17 م
مشاركة

الحوانيت في البادية قديماً كانت قليلة، غالباً ما يكون صاحب الحانوت رجلاً عجوزاً ثقيل السمع والخطى، يجلس دوماً أمام حانوته يرقب المارة من على كرسيه الخشبي بلا ظهر، يخرج من جيبه علبة الدخان *كازا سبور* ويلف بين أصابعه سيجارته، ومع أنها لا تتوفر على مصفاة تسمع صاحبنا كل مرة يتفل بقايا التبغ الملتصقة على أسنانه وشفتيه…

على باب محله يعلق مجموعة من الكرات البلاستيكية إلى جانبها مكانس من القش، وعلى مقربة منها صناديق المشروبات الغازية، وهرم من قنينات الغاز الصغيرة، وفي داخل الحانوت الصغير المظلم شيئاً ما تبدو رفوف قليلة صدئة يعلوها الغبار وبعض المعلبات وعلب مواد التصبين المصنوعة من الكارطون وبعض المواد البسيطة للنظافة والحمّام، وفي الرف العلوي تجد الطُّسوت، جمع طَسْت أو كما نسميه بالدارجة *طاس* معلقة رفقة أياديها تلامس سقف الحانوت، وعلى مكتبه الخشبي القديم علب زجاجية عديدة، بعضها للعلكة الدائرية وأخرى للحلويات الصلبة جداً والقديمة التي تكسر الطواحين وتتلف الأسنان، وعلى الأرض أوعية من القصدير تحفظ المواد الغدائية داخلها من التعفن والفساد، وأخرى لحفظ علب الكبريت من الفئران خوفاً من إشعالها بأسنانها الحادة، وهي صناديق صغيرة من الورق المقوى تُجمع فيه عيدان الكبريت تسمى *لوقيد* وبعض هذه الأوعية القصديرية مخصصة فقط للصابون البلدي، وكان صاحب الحانوت يصرخ كل مرة في وجه الأطفال الذين يفتحون الثلاجة البيضاء القديمة المحتشمة المستورة التي لا يظهر ما بداخلها…

كان العجوز يدقق في النقود المعدنية مراراً وتكراراً خوفاً من أن تكون مزورة والأوراق المالية خشية أن تكون ناقصة أو ممزقة الأطراف، ثم يخرج على أقل من مهله مفتاح المِجَرّ ببطء ويفتحه بحذر وحرص شديدين ويرجع لك الباقي بعد أن يتأكد منه عدة مرات في عملية قد تستغرق دقائق…

هكذا كانت تبدو الحوانيت قديماً يوم كنا نتردد عليها ونحن في أوج فرحنا أيام الطفولة.