اخبار الوطن

17:09

الإكتئاب السياسي

كتاب «نظام التفاهة» للفيسلوف الكندي ألان دونو .. التافهون حسموا المعركة لصالحهم

كتب في 8 أكتوبر 2020 - 2:30 م
مشاركة

بقلم حفيظة الفارسي

«التافهون حسموا المعركة لصالحهم وباتوا يمسكون الآن بمواقع مهمة في العالم»…»لالزوم لهذه الكتب المعقدة .لاتكن فخورا ولا روحانيا فهذا يظهرك متكبرا. لا تقدم أي فكرة جيدة فستكون عرضة للنقد. لا تحمل نظرة ثاقبة. وسع مقلتيك، ارخ شفتيك، فكر بميوعة وكن كذلك. عليك أن تكون قابلا للتعليب.  لقد تغير الزمن. فالتافهون قد أمسكوا بالسلطة».

هكذا يختصر الفيلسوف الكندي وأستاذ الفكر النقدي في العلوم السياسية بجامعة مونريال بكندا، ملامح العالم اليوم في كتابه الأخير «نظام التفاهة»، مقرا أن التفاهة باتت تتسيد المشهد العام في العالم الغربي كما في العالم العربي: صعود التيارات الشعبوية الى مراكز القرار السياسي، تحكم اللوبيات الاقتصادية في السياسات العامة للبلدان، ثم فشل ثورات الربيع العربي وما صاحبها من انحلال الدول الوطنية وسيادة العنف وما تشهده وسائل التواصل الاجتماعي من انتشار التفكير السطحي وثقافة « الفايك نيوز»» وكلها عناوين كبرى يبسطها دونو للتدليل على ما نعيشه اليوم من انهيار جارف للأفكار والقيم والأذواق .التفاهة : نظام واع بأدواته وأهدافه

يطرح كتاب «نظام التفاهة» الصادر في نسخته العربية عن دار سؤال بترجمة وتعليق الدكتورة مشاعل عبد العزيز الهاجري – الذي نتناول أهم ما جاء في مقدمته في هذه الورقة – يطرح مستويين من المعالجة المرتبطة بظاهرة التفاهة التي تسم عالم اليوم:

*المستوى الأول يمكن أن نَسِمه بالتشخيصي: وفيه يطرح دونو مظاهر هذه التفاهة اليوم، بدءا بالفرد العادي وصولا الى الماسك بزمام القرار السياسي والاقتصادي.

المستوى الثاني اقتراحي: ويميز فيه بين اختيارين: المقاومة أو اليأس.

في المستوى الأول يصور ألان دونو التفاهة ليس بوصفها سلوكا يقف عند العمومي والسطحي، بل يعتبرها نظاما ممأسسا وواعيا برهاناته وأهدافه، حتى أنه قد تجاوز اليوم صانعيه، بالنظر الى أنه مرحلة متقدمة من تطور النظام الاقتصادي الرأسمالي وهي المرحلة التي بدأت بوادرها بالظهور في عهد رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر (1979-1990) وهي الفترة التي تميزت بتغيير جذري لمفاهيم أساسية ومؤطرة للعملية الديمقراطية في البلدان التي تحترم المنظومة الحقوقية ومواثيقها العالمية والتي من خلالها يتحدد دور وحدود كل من المواطن والسلطة السياسية ومن هذه المفاهيم التي تم تغييرها نجد:

الإرادة الشعبية/ المقبولية الاجتماعية

المواطن/ الشريك

السياسة / الحوكمة

الشأن العام / الإدراة التقنية المفرغة من كل القيم والمبادئ.

إنه إذن «نظام مكين يضرب بجذوره في تربة المجتمع شيئا فشيئا بشيء من المنهجية والاستقرار المرعبين». ص20

ومن أهم مظاهره:

توطيد العلاقة بين السياسة والمال – تهميش منظومة القيم – تسليع الحياة العامة – وهم الكاريزما – الجريمة المنظمة – الأزمة المالية.

يلخص دونو هذه المظاهر الجديدة في عالم اليوم بمصطلح «التفاهة» التي تمتد من السياسة الى الاقتصاد الى التعليم..الفن ثم الأدب… حيث تغلغل التافهون في جميع مفاصل الدولة الحديثة، وهي التفاهة التي يسهر على امتدادها المضطرد ويحميها، زمرة من التافهين الذين يعملون في إطار لوبيات مصالحية لهم القدرة والقوة لدعم بعضهم البعض . إنها باختصار « لعبة يلعبها كل الأطراف ( سياسيون، إعلاميون، أكاديميون رجال أعمال، نقابيون، لعبة يعرفها الجميع لكن لا أحد يتكلم عنها ولا قواعد مكتوبة له لكنها تتمثل – أو تستشعر – في انتماء إلى كيان كبيرما، تستبعد القيم فيه من كل اعتبار» فقط منطق الربح والخسارة.لكن ما الهدف من هذه اللعبة؟

لهذه اللعبة هدف وحيد هو الوصول بالجسد الاجتماعي الى حالة الفساد، إذ يفقد المواطنون جراء ذلك أي اهتمام بالشأن العام.» فتقتصر همومهم على فردياتهم الصغيرة وهكذا فنحن نلعب لعبة أعظم من أنفسنا أو نتظاهر بالخضوع لها ونوسع من نطاق قواعدها طوال الوقت، أو نخترع لها قواعد جديدة حسب الحاجة.»

إن الاخطر في هذه اللعبة التي نعلم لاعبيها الأساسيين وننخرط معهم فيها بصمتنا، هو أن ينحدر المؤهلون وذوو التكوين العالي، مع هؤلاء اللاعبين الذين رغم طموحهم هم غير مؤهلين لإدارة هذه اللعبة، أن ينحدروا معهم الى دركهم عوض أن يحدث العكس، وهو الامر الذي يحدث بسرعة كما ينبه الى ذلك المؤلف.

إن من أهم الأدوات التي يعتمدها نظام التفاهة لترسيخ جذوره، نجد:

*اللغة التي لا تعدو كونها لغة خشبية تعتمد التكرار والخطابات الجوفاء، والحشو أي باختصار لغة «تحصيل الحاصل»، هي لغة صالحة لكل زمان ومكان لا تبتغي إلا المزايدة اللغوية لكسب الرهان وتجييش الرأي العام مستميلة العواطف لا العقول.

* التبسيط: إن اللجوء الى تبسيط المعارف والعلوم بدل إعمال العقل والتفكير أصبح يشكل خطرا لأنه يخفض مستوى الوعي والجودة، ويهدد التطور العلمي والعقلي للمجتمعات. فهذا التبسيط، خصوصا في المجال العلمي، «ينزل بالمعرفة الى مستوى قدرات غير العارف عوض أن يرفع قدرات غير العارف بما يليق ومستوى المعرفة ص47.

التعليم:

يرى الكتاب أن المؤسسات التعليمية، وبفعل ارتهانها للمؤسسات الاقتصادية التي تمولها، أصبحت اليوم فاقدة لقرارها ولاستقلالها وعوض أن تظل منتجة للمعارف والافكار صارت متجرا للمعرفة تحت الطلب، حيث أخضعت بسبب هذه التبعية برامجها التعليمية والتكوينية لحاجات الشركات وسوق الشغل، مغلبة اختصاصات بعينها على حساب العلوم الإنسانية والفكر النقدي و»الوقوف على العلاقات بين الموضوعات المتفرقة والفضول المعرفي» ص54، لهذا يسجل المؤلف المبالغة في خلق التخصصات الدقيقة وتعميقها بدل توسيعها، وبدل ترسيخ القيم في صفوف الطلبة، وبالتالي أصبحت هذه المؤسسات مراكز لتلقين المعارف العملية المفتقدة لأي حس نقدي ينظر من خلاله الطالب الى الخفايا الثاوية وراء هذه المعارف التي تعلي من شأن المهارات فقط.

تنميط العمل:

«إن الفخر بالعمل المتج جيدا صار أمرا في طور الاضمحلال « ص42.

لقد طرأ تحول كبير على مفهوم العمل فتراجعت إثر ذلك «الحرفة» التي نتطلب الإبداع لتصير مجرد «مهنة» مختزلة في مصدر رزق.

يشرح المؤلف بهذا الصدد، بدقة، كيف حولت الرأسمالية المتوحشة العمل من قيمة إنتاجية الى مجرد مردودية مادية مختزلة في أجر ، معتبرا أن هذا الوضع نتيجة حتمية لتقسيم العمل على ثنائية «الحرفي والفكري». فالعامل اليدوي وفق هذا التقسيم مجرد آلة تنفيذية مقابل أجر، وهوما يؤدي الى افتقاد أي إحساس بقيمة العمل لدى هذا العامل، ما يعني تشييئا وتنميطا لهذه القيمة: « يمكنك أن تبيع كتبا ومجلات وأنت لا تقرأ منها سطرا أي أن العلم أصبح وسيلة للبقاء ليس إلا: ص64» أو تقضي عشر ساعات يوميا في مصنع السيارات وتعجز عن إصلاح عطب صغير في سيارتك»…وهذا الوضع سمح بتضخم ثروات وتركزها في يد أقلية وبالمقابل تفقير الفقراء.

الخبير مقابل المثقف

ينطلق دونو في هذا الباب من مدى تأثر الاعتبارات الاكاديمية بما يحيط بها من أجواء التفاهة، مستدلا على ذلك بفضاءات هذه المعرفة الاكاديمية من خلال طرفي هذه المعادلة: الجامعة والخبير.

*الجامعة: يقدم المؤلف في هذا السياق توصيفا لأحوال الجامعات اليوم، وهو ما ينسحب على كثير من الجامعات العربية ومنها المغربية (حسب المترجمة)، متوقفا عند ظاهرة تسليع المعرفة الاكاديمية وبيعها للجهات الممولة للجامعات( ظاهرة المنح التي تقدمها الشركات لبعض الباحثين) « ما يجعلنا والحالة هاته أمام « منتج للمعرفة يتحول الى تاجر فيها» ص35.

يعود ألان دونو في هذا الكتاب إلى الأصول التي غذت التفاهة، وهي التشجيع على سيادة الفقر الفكري الذي كان نتيجة فصل العلوم الدقيقة عن العلوم الانسانية وأهمها الفلسفة، وهي الخطة التي انتهجتها الشركات الكبرى عبر تشجيع طلبة الجامعات والباحثين، وتوجيههم للعمل على مواضيع ومشاريع من اقتراحها مقابل المنح التي تقدمها لهؤلاء لينتهي الأمر الى «إنتاج «خبراء» ذوي التخصص الضيق الذين يخدمون السوق، لا العلماء ذوي الأفق الواسع القادرين على مواجهة المشاكل الحياتية».ص37.

يعتبر ألان دون أن المثقف العضوي بتعبير أنطونيو غرامشي، الملتزم بقضايا مواطنيه ومجتمعه توارى الى الصفوف الخلفية في نظام التفاهة هذا، ليطفو على السطح نوع جديد من المثقفين الزائفين المستعدين لبيع ذممهم وهو الذي يطلق عليه اليوم مصطلح «خبير» . هذا الخبير هو صناعة تسهر على إنتاجها الشركات الاقتصادية الكبرى التي تمول الجامعات والمعاهد حسب حاجتها، وهو رهن الاشارة للتبرير وتسويغ وشرعنة كل القرارات التي تتخذها السلطة أيا كان مجال اشتغالها.

يرسم ألان دونو بورتريها خاصا لهذا الخبير مختصرا إياه في كونه «ذا هوية مؤسساتية يرتبط بالشروط الموضوعية لمؤسسته ويلتزم بأهدافها» حين يكتب أو يتحدث «مقابل ما يحصله من مكافآت» ص57.

التجارة والاقتصاد

يربط المؤلف الانحطاط المجتمعي والاخلاقي الحاصل اليوم بالممارسات الاقتصادية والتجارية، مقدما ملاحظات عديدة في هذا الصدد:

الحكامة: إذا كانت الحكامة المؤسساتية جعلت محور اهتمامها حماية التوازن والالتقائية بين الاهداف الاقتصادية والمجتمعية، خصوصا في مجال الاعمال والتجارة، مع ما يستلزمه ذلك من شفافية، فإنها انتقلت بعد ذلك الى المجال السياسي فأفرغت السياسة من الافكار الكبرى المؤطرة لها كالحق والواجب والالتزام والصالح العام، مستدلا على الأمر ببرامج الخوصصة مثلا المحكومة بهاجس الربح مقابل اقتصار الدولة على تأمين المرافق الأساسية الثلاثة: الأمن الداخلي، الأمن الخارجي، القضاء.

الثقافة والفن:

لا يخفي دونو أن الثقافة، بما لها من رمزية ودور في تمنيع الذائقة والافكار، انخرطت بدورها في توطيد أركان التفاهة عبر اللغة التي أصبحت مثل عجينة قابلة للتشكل.كما «اختزال «صناعة الثقافة» الى مجرد قطاع للحياة الشمولية أمر لا يمكن معه استيعاب جميع الاعمال الفنية، ما يترجم بشكل دقيق موقف المستثمرين الماليين في الاعمال الفنية ، والطريقة التي يجبرون من خلالها الفنانين على الاستسلام والعمل وفق قوانين السوق حتى أضحت الاعمال الفنية منمطة لإرضاء توقعات وزارات الثقافة والمتاحف..

الصحافة والتلفزيون

من العوامل التي ساهمت في تفشي الرداءة يسوق المؤلف حامل الصحافة بشقيه المكتوب والسمعي البصري، معتبرا أن الصحافة صناعة،صناعة يحركها هاجس المصلحة والتسويق، إذ أن المادة الصحافية أصبحت تصنع على مقاس مالكي الصحف والقنوات ووفق توجهاتهم السياسية والاقتصادية، مشيرا الى بروز صحافة «التابلويد» التي تعتمد الإثارة ونشر الفضائح، ومتسائلا في هذا الصدد عن الحدود الفاصلة بين حرية التعبير وسرية المعلومات والحياة الشخصية للافراد في ارتباطها بالممارسة الصحفية. فصحافة التابلويد أنتجت اليوم ما يسمى «الأميون الجدد» الذين يكررون ما يسمعون دون تعمق في الأفكار أو طرح بدائل حقيقية لمشاكل المجتمعات، ما جعل جمهورها عاجزا عن تبين ملامح الواقع في حقيقته، حيث أصبح «يعاني من وعي غائب» بسبب تصديقه لكل ما ينشر، ليخلص المؤلف الى أن نظام التفاهة لا يثبت فعاليته إلا بوجود هذا النوع من المتلقين.هذا التعاطي التافه مع مواضيع بعينها لا تعني المواطن في شيء، يعتبره ألان دونو فرصا مهدورة للاجابة عن الاسئلة الكبرى المطروحة على عالم اليوم وهو هنا يحمل المسؤولية للطرفين القارئ أو المشاهد والصحفي.

ولم يسلم التلفزيون كذلك من هذه الضحالة حيث يعمل على توظيف مذيعين بسبب الشكل الخارجي دون التركيز على مؤهلاتهم الفكرية، وهو ما ينسحب على الضيوف الذين يفتقدون لأي مصداقية علمية ولا يتقنون إلا البهرجة والكلام الطنان من خلف الشاشات حتى أن كلما انحدر مستوى الضيف، كلما زادت نسب المشاهدة وانتشر صيته وتهافتت عليه القنوات والاذاعات.

السياسة ..المجال المخصب للتفاهة

يعتبر ألان دونو العمل السياسي بما ينطوي عليه من عناصر (خطاب ، مال، سلطة، جماهير) هو المساحة المخصبة لازدهار مصطلح التفاهة، حيث أن الديمقراطية كعملية تجمع كل هذه العناصر تشكل المجال الاخطر لذلك، لما يمكن أن ينتج عنها من طغيان للأغلبية على الأقلية لأن «الاتجاهات الشعبية ليست رشيدة بالضرورة لمجرد أنها تعبر عن رأي الأغلبية» ص85 ، إلا أن المؤلف يضع بالمقابل خطرا آخر مضادا للديمقراطية وهو سيطرة الأقلية.

وخطورة السياسي اليوم كما يشير إليها الكتاب تكمن في أن هذا الاخير يقصر اهتمام الجماهير على تأمين شؤون اليومي من استهلاك وأسعار وأجور ويحتكر الشأن العام.

 

كيف نقاوم هذه «الثورة التخديرية»؟

هل نظام التفاهة قدر؟ هل يمكننا يوما أن نستيقظ من هذه» الثورة التخديرية» التي تسربت الى أوصال المجتمعات بعد الحروب التي خيضت مباشرة أو بالوكالة خصوصا الحرب على الإرهاب التي حركتها الدوافع الاقتصادية بالأساس أكثر من الهواجس الأمنية وهي الحرب التي رفعت شعار «معنا أو ضد» الارهاب، وأرست لقيم الاستسلام والخضوع لقرارات الدول الكبرى التي تخطط وتصنع مستقبل الشعوب، بعيدا عن إرادة تلك الشعوب التي استبدلت اليوم بمفهوم المقبولية الاجتماعية؟

لايقدم الكتاب وصفة سحرية لمواجهة هذه التفاهة لكنه يقترح كأشكال لمقاومتها ومقاومة إغرائها و»كل ما يشدنا الى الأسفل»، وهي الممانعة التي لن تتم إلا بإعادة الوهج والمعنى للمفاهيم الكبرى والقيم التي أرستها الإنسانية في مسارها التحرري الطويل، والتي انتصرت للإنسان: مفاهيم القانون، الدستور، حقوق الانسان، القطاع العام، المواطنة….