في بلد العجائب والغرائب

كتب في 7 أكتوبر 2020 - 8:24 م
مشاركة

ادريس زياد لعالم اليوم الدولية

في بلد تدّعي حكومته إصلاح صندوق التقاعد بزيادة اشتراك الموظف وتمديد فترة عمله، في بلد خوصص الصحة والتعليم، في بلد كبل الأساتذة بحبل التعاقد ولفه على أعناقهم، وفي بلد لازال الأستاذ يضرب ويجلد ويسحل ويسجن لسبب بسيط جداً وهو يطالب بحق من حقوقه، في بلد يرمي مواطنيه لوحوش السوق الحر لتقرر أسعار غدائه وأسعار صحته وأسعار تعليمه وأسعار توظيفه وسعر حياته، في غياب برلماني لا يفكر إلا في تقاعده السمين ولا حكومة تحميه، في بلد من المفروض أن من يجب أن تُمارس عليه سياسة المحاسبة هو المسؤول بالدرجة الأولى، في بلد لا زال الفساد الأكبر في التلاعب بالمأذونيات واستغلال الثروات الطبيعية والتهربات الضريبية، في بلد يتمتع فيه سُرَّاق التقاعد المريح والمبكر من خُدَّام الدولة وهم من صغار السن والنفس، في حين لا يزال الأساتذة المتعاقدون ومنهم من أصبح في مرحلة متقدمة في السن يبحث عن أمان أو اعتراف…

مسلسل الإضرابات التي شهدتها ساحات المدن المغربية في العشر سنوات الأخيرة بخصوص مطالب كثيرة ومتنوعة وعلى رأسها جريمتي التقاعد والتعاقد، هو نتيجة سياسة بئيسة للمخلوع الذي زرع قنابل الإحتجاجات في كل ركن من أركان هذا الوطن، ومن سيئاته وبدعه المضلة، الإقتطاع أيام الإضراب في خرق سافر للقانون، سقط جدار الخوف الذي طالما هللوا به ذات يوم، ليكسروا شوكة الإحتجاجات، سقط جدار الخوف الذي حاول شرذمة من المتسلطين بناءه ليطوقوا به الأصوات الحرة، وكانوا يظنون أنه سيبقى إلى الأبد، لم يعد الإقتطاع والتهديد يرهب الموظفين وفي مقدمتهم الأساتذة المفروض عليه التعاقد، أما المخلوع فلن يضحك كثيراً ولن يفرح كثيراً، ستتبعه اللعنات عن تسعة ملايين تقاعد لم يشارك فيه ولو بدرهم، حلال عليه وحرام على شعب بأكمله من الموظفين والأساتذة، ومن سن سنة سيئة سيكون عليه وزرها ووزر من عمل بها، وستلاحقكم اللعنات إلى يوم الدين…

لا يمكن للحكومات المتعاقبة أن تخضع لإملاءات البنك الدولي وتنفدها بالحرف وتخضع أيضا لقيود لا يمكنها الخروج عنها كلها دائماً على حساب الموظفين لأجل ما يسمى بإصلاح صندوق التقاعد وإجبار الأساتذة على التعاقد، فهذه الآليات التي تعمل عليها هي تقليدية بدائية ولم يبقى لها إلا أن تنهمك في علاج أعطاب هذه الصناديق بالأعشاب، سلاقطة المال الحرام لم يغادروا مناصبهم حتى أفرغوا صناديق الدولة (التقاعد، الإيداع والتدبير، المقاصة، الضمان الإجتماعي)، وتركوها قاعاً صفصفاً…

أما النقابات فإن كنتم فعلاً جادين أعيدوا النظر في ملف التقاعد وملف الأساتذة المتعاقدين، وعمموا الإضرابات والمسيرات إلى غاية إسقاطه، وإرغام الحكومة على الجلوس والحوار بقوة النضال وليس بالخنوع والخضوع والقفز من أو إلى المركب في اللحظات الحاسمة فهذه ليست إلا مهارة يتقنها بحارة النضال الموسمي، فعندما تتم إعادة انتخاب أمين عام حزب أو نقابة أو رئيس برلمان كمرشح وحيد وأوحد، اعلم بأن *الرباعة ديال الشلاهبية* مقسمين الأدوار و مقسمين الغنيمة بينهم في الكواليس وفي الليل قبل بزوع شمس النهار، وأن مهامهم تقتصر على أداء مسرحية هزلية كلما احتاجت الضرورة إلى ذلك على قنوات الصرف الصحي، في ذلك الحين يتمنى بعض الموظفين والأستاذة لو اشتغلوا مخازنية، لأنه بلا نقابة تكون الزيادة في الأجور مفاجئة مابين ألف وألف وخمسمائة درهم دفعة واحدة وبأثر رجعي، في حين أن النقابات تآمرت على تمرير قانون التقاعد المشؤوم، وفي الأخير هم فرحون بتحقيق زيادة ضئيلة بئيسة في مدة تجاوزت عشر سنوات، يتبعها أذى زيادة مضاعفة في الإقتطاع لفائدة صندوق التقاعد…

تأكد أن الحصانة والنفود والمال والتقاعد الذي ستحصل عليه بطرق المكر والخديعة على تعب وتعاسة عباد الله المستضعفين لن يمنحك الشرف العظيم، ولن يحسن به أن ينفعك حينما يريد الله أن ينفذ مشيئته، وعمرك قصير مهما طال، لن تجد فيه متعة إلا بحفظ كرامتك، لربما هو ذات العذاب الحقيقي الذي تخشاه أو تفر منه، لكنك تتحرك بغريزتك لا بعقلك، لا تعاد من منحك الثقة ورفع شأنك، بل من الجيد أن تحافظ على أواصل الثقة، وحده الله هو الذي يمنحك التقاعد المريح والكرامة والشرف والحصانة من شر العباد، تقرب إليه في كل الأوقات وتحسس رحمته في عافيتك وصحة أولادك ودويك ومن حولك، فمن تعلق برقاب العباد ذل وأرهق روحه، ومن تعلق بحبل الله عاش سعيداً وإن كابد مشاق الحياة.