اخبار الوطن

17:09

الإكتئاب السياسي

تمييع الصِّحافة

كتب في 4 أكتوبر 2020 - 5:31 م
مشاركة

هل أصبحت الصِّحافة مهنة من لا مهنة له ؟ هل أصبحت الممارسة الصِّحافية مطيةً ذَلُولاً لكل من هب ودب ، وانساقت مع تيار الابتذال لتصبح في عِداد الأنشطة التي لا يجمع بينها جامع ولا يَردع في تنظيمها رادع ؟ هل الصحافي أَزْرى بالمهنة وبنفسه إلى درجة أصبح معها مجردَ حاطبِ ليْلٍ ؟
أين هي الدولة أصلاً من كل هذه الفوضى العارمة ، وما موقفها من هذه الكتابات السائبة التي حملتها إلينا رياح هوجاء وظروف رديئة أضحت تأكل الأخضر واليابس بتمكين كل من وقع بين يديه قلمٌ ، بمَكْر الصدف وجَوْل الريح ، من إطلاق العنان لنوازع العبث في نفسه ليجعل من نهش الأعراض مادة مفضلة ، ومن التسلل إلى الحياة الخاصة للناس سبقاً صحافياً يظن أنه ما تحقق إلا لبطل مغوار مثله ؟
المواقع الإلكترونية أصبحت من كثرتها كالهَمِّ على القلب ، فهي على كل لسان وتكاد تطل عليك من كل ركن وجانب . ونحن لسنا ضد وجودها ولا ضد تعددها لو قامت على أُسٍّ أو أُصُول . فالمواقع الجادة التي يقف وراءها مهنيون قليلة ، وتعاني بالذات بسبب مهنيتها ! بينما الأمر يختلف تماما بالنسبة للمواقع المتسيبة والصحف الصفراء التي أصبحت ، من فرط انتشارها السرطاني ، كَفُطْريات الغابة الاستوائية التي يقتلع بعضها بعضاً ، وتتزاحم في الزمان والمكان ، لا لترويج المعلومة السليمة والثقافة الرصينة التي تسمو بإنسانية الإنسان ، بل لإرساء النَّتَانَة والقتامة عبْر استجداء صَرْعَى الغرائز البهيمية وإرضاء المهووسين . فهي في تنافسها المحموم يسطو بعضها على بعض وتتناسخ في ما بينها حتى في ما له علاقة بأسماء وأشكال الهويات البصرية . بعض هذه المواقع ملامحه جَليٌّة مُعلنة وبعضها خفيٌّ الوجه خفاءَ الأيدي التي تحركه.
ولحد الساعة فالْكَمُّ كبير والكَيف قليل. وما يتلاءم منها مع الضوابط القانونية والمهنية أقل من القليل . ومع ذلك يبقى الكل يصول ويجول دون فرق يُذْكر بين المنضبط والمتَسَيِّب ، وبين من تحدوه الرغبة في أداء خدمة إعلامية متوازنة يقوم بها صحافيون مهنيون دخلوا المجال من بابه الواسع بعد دراسة وتكوين وتدريب ومعاناة ، وبعد أن خَبِروا المهنة وأدركوا مبلغ حساسية الخبر وحرمة الكلمة وسمو الثقافة ، وبين متطاول لا ندري كيف انحشر عُنْوةً في الميدان مع أنه لا يُفَرق بين الكُوع والكَرْسُوع . وإن أنت ناديت بتطبيق القانون والانضباط للمهنة رموك بتهم جاهزة كالمَخْزَنية وقمع حرية التعبير ، وهم لا يعرفون من معنى لهذه الحرية إلا الفوضوية في القول والممارسة ، وعدم الخضوع لمتطلبات توازن الحقوق والمصالح في المجتمع .
كرامة الصحافة والصحافي كانت دائما من كرامة الكلمة وهيبتها . من قبل كان الصحافي أديبا ومثقفا من الدرجة الرفيعة.. كبار كتّابنا ، سواء في المغرب أو في العالم العربي ككل ( ولا أتحدث عن الغرب تفاديا للإطناب ) ، مروا من هنا . عشقوا الصحافة واتخذوها منبرا ووسيلة لتوعية الناس وتثقيفهم وإيصال المعلومة الدقيقة لهم . فكانت اللغة الراقية ميزةَ الكتابة الصحافية ودَيْدن حاملِ القلم .. بل كانت الصحافة معتركا للنقد الرفيع الذي لا تكون وسيلته إلا اللغة الرصينة والكلمة المنتقاة . وكثير من أدبائنا ومفكرينا اعتبروا دائما أن الصحافة منبرٌ رفيعٌ ولائقٌ يلوذون به لنشر أعمالهم .. وكان الكثير من تلك الأعمال والكتابات لا يُجْمع بين دِفَافِ الكتب إلا بعد نشرها في الصحف والمجلات .
ويعرف المتتبعون لتلك المرحلة أن الصحافة كانت مسرحا للمعارك الأدبية والفكرية الكبرى التي أثْرَت حياتنا الفكرية والأدبية ، ومنبراً لمناقشة القضايا السياسة ذاتِ البال التي كان القراء ينتظرون بشغف كبير صدور الصحيفة أو المجلة لمتابعتها ، والاستفادة من تلك الأفكار التي كانت سِجَالاً بين الكتّاب . لم يكن فيها غالب ولا مغلوب بالضرورة لأن كل طرف كان يستعد لذلك بالزاد المعرفي الوفير . في مثل هذا الجو الرفيع كان يتشكل وجدان القارئ ذات زمان !.
كان الصحافي في ذلك الوقت ـ ولا يزال الحال كذلك الآن بالنسبة للكثير من المهنيين ـ يعتبر عمله مهنة ورسالة . كان يعرف أنه اختار مهنة فكرية لا تستقيم حاله فيها إلا بالتمكين لنفسه في مجاله . لهذا كان يَقْدُر الكلمة حقَّ قدْرها ويعرف أن منصبه ، فوق ذلك ، له مكانة اعتبارية في المجتمع ، فلا تجري على قلمه إلا اللغة الرصينة ، ولا تنساب كتابته إلا بالأسلوب السلس العذب الذي ترق له النفس ويتفاعل معه الوجدان ويُرَبِّي في القارئ السليقة اللغوية ويتعهد فيه حُسنَ تَلَقِّي الكلمة الدقيقة والجميلة .
كيف نقارن بين ماض مشرق كان فيه للكلمة رونقها وجلالها وبين واقع بائس ذبل فيه سحرها وذوى تأثيرها ؟..كيف نقارن بينهما ووجه المقارنة لا يستقيم أصلا ؟ كيف نقارن وقتا كان “التناطح” فيه بين الكتّاب والصحافيين حول المضمون العميق والأسلوب المبتكَر وسلامة اللغة ورشاقة التعبير ، بوقت عدنا فيه القهقرى درجات ، أو لِنَقلْ دَرَكات ، حتى أصبحت مشكلتنا في الكتابة هي طلب الحد الأدنى فيها بضبط صحة الجملة ، وربما ضبط الفاعل والمفعول ؟
ولا يقف الأمر عند هذا الحد مع كامل الأسف . فالكتابة أصبحت خليطا هجينا من الدارجة والفصحى المكَسَّرة مع بعض توابل اللغة الفرنسية . وحتى الدارجة المستعملة رديئة.. وليتها أخذت من مخزون دارجتنا الجميلة التي كُتِبت بها روائع قصائد الملحون وأغاني فنانينا الكبار . هناك كتابات في بعض المواقع الإخبارية والاجتماعية يختلط فيها الحابل بالنابل ، فلا تعرف إن كنت تقرأ بالفرنسية أو بالعربية أو بالدارجة . وقد يبلغ العبث أقصاه حين تجد أن حتى المستعْمَل من الدراجة هو ألفاظ فاحشة مستعارة رأساً من اللغة الساقطة لِعَرابِدة الأزقة المُعْتِمة .
أما عن الأخلاقيات فلا تتعب نفسك في البحث عنها في الصحف الصفراء وتلك المواقع السائبة التي يستحيي المرء من ذكرها دون أن يقول للمستمع : أَعَزّك الله ! لا داعي لإضاعة الوقت في التنبيه على الأخلاقيات هنا .. فالأبواب مشرعة لقول ونشر كل شيء ، لا حرمة لأحد ، ولا فرق بين الحياة الخاصة والحياة العامة . فكل من استدعته الشرطة لسبب من الأسباب ، قد يكون عاديا تماما ، يصبح مجرما بالضرورة . ومن استُدعي للاشتباه فيه أو لمجرد شيء مرتبط بشؤونه الخاصة ، فالحكم عليه جاهز مسبق وهو حكم إدانة ابتدائي ونهائي يصدره قضاة المواقع والشوارع . ولا مجال للحديث عن شيء اسمه قرينة البراءة ، فهو غير موجود في قواميسها . والمتهم عندها ، حتى في المراحل الأولى من مسطرة التحقيق أو المثول ، يًنْهشُ لحمه ويستباح شرفه بِذكْر اسمه وصفته مع إيراد صورته وانتمائه الحزبي ، ولو كان أحد من عائلته وزيراً أو مسئولا أو شخصية عمومية فسيكون الأمر أحسن لأن الوليمة الصحافية ستكون أَدْسَم !.
يا إلهي ماذا يقع تحت أعيننا ونحن لاَهُون لا نُلْقي بالاً للأعراض المنتهكة ولا للحريات الشخصية المستباحة ولا للحق في الصورة الذي أصبح مُكْتَفى بوروده إشارةً عابرةً في النصوص القانونية ولا تطبيق له في واقع الناس اليوم . ولو أراد الشخص المعني الدفاع عن نفسه ببعث رسالة توضيح أو بيان حقيقة ، فلن يُلْتفت إليه ولن يُمنَح حتى حقَّ الرَّد المكفول أصلاً بالقانون .
لكن الذي بيعث في النفس القشعريرة حقا ، هو الذهاب إلى حد اختلاق الأخبار والأقاويل والافتراء على الله وعلى الناس.. كنا في وقت من الأوقات نتأكد من حقيقة الخبر والمعلومة لدى مصادرهما ونبذل الجهد اللازم لنشرهما بالصيغة المهنية المطلوبة وبالحذر المعهود في الصحافي الذي يحترم نفسه ومهنته ، ونقول مع ذلك في أنفسنا “شوف تشوف” !.. لأن التجربة علمتنا أن الخبر الذي تظنه عاديا قد يكون حَمّالَ أوْجُهٍ ومصائب . وهؤلاء لا يخشون المصائب بطبيعة الحال لأنهم هم المصائب عينها !.
أصبحنا الآن أمام كائنات هلامية ، لا يَرَفُّ لها جفن في تجاوز كل الخطوط والاستهتار بالمواصفات المتأصلة في الصحافي المهني .. فالخبر في عرفها هو كل شيء ولا شيء ، وحساسية الكلمة هراء في هراء . لهذا فمثل هؤلاء لا يترددون في إيراد الخبر الكاذب في الصحافة واصطناع الاتهامات عن سبق إصرار وترصد ، إمّا لتصفية حسابات شخصية مع هذا أو ذاك ، وإما لرغبة في نفس يعقوب همس لهم بها أولياء النعمة . وقد يكون الأمر لمجرد الإثارة وجلب أكبر عدد ممكن من القراء والمتابعين من بين جمهور هاوٍ أصْلا ً لـ” النميمة “، كما يقال في المقاهي ، ومَيَّالٍ بطبعه إلى تصديق مثل هذه الأخبار .
وقد أصبحت هذه الأمور في الصحف الصفراء والمواقع المنْفلتة ، عملة رائجة وعادية تنطلي حِيَلها على الناس ، ويتعين حتى على القارئ اليقظ لكي يحمي نفسه منها ، أن يعمد إلى البحث والتقصي واستعمال كل رصيده المعرفي لتمحيص الأمور، مع أنه كان في الإمكان تفادي كل هذه التجاوزات بمجرد تطبيق القانون والتعامل بصرامة مع هؤلاء العابثين بوعي الناس .
ولا أعتقد أن هذه الحالة جاءت عن طريق الصدف الماكرة ، أو نتجت حصْراً وقصْراً عن الانفجار المعرفي وعن هيمنة وسائل الاتصال الحديثة التي أخرجت العفريت من قُمْقُمه . فالمفروض أن يكون العكس هو الصحيح . فهذه الوسائل الحديثة إذا كانت تُيَسر الوصول إلى المعلومة في مفهومها المطلق ، فهذا يعني بالضرورة انْتِفاءَ الانتقائية وعدم استبعاد الحصول على ما هو إيجابي منها. فالوسيلة في حد ذاتها محايدة ومستعمِلها هو الذي يجعل منها وسيلة خير أو شر.
هذا الواقع البائس وراءه مسئولون كُثْر وهو موضوع طويل عريض سنخصص له إن شاء الله إطلالة أخرى نوضح فيها أن تمييع الصحافة أمْرٌ دُبِّرَ بِلَيْل ومقصودٌ لذاته .