اخبار الجالية

16:15

من ذكريات زمن النضال

تُجَّار الدين وانتاج الثروة!

كتب في 2 يوليو 2020 - 8:28 ص
مشاركة

معاذ محمد الحاج أحمد

التجارة هي عرض وطلب، بيع وشراء، قرض وصفقة يسعى التاجر فيها إلى تعظيم الربح، وكبح جماح الخسارة حتى يبقى في سوق المنافسة، ولا يرتد على أعقابه حاثراً خاثراً. فالربح إذن هو الهدف وهو الغاية والنتيجة أيضاً، وإلا سيقذف الفشل به وتجارته إلى دياجير الليل ويغيب في أحشاء الإملاق. لكم شاهدنا من رجال أعمال استحالت حياتهم من قصرٍ منيفٍ يؤمه الأشراف والأعيان إلى كوخٍ وضيعٍ لا يستره عن عيون الناس إلا بعض المِزَقِ والخِرَقِ البالية!
إذا كان الأمر كذلك مع البشر، فما بالنا بخالق البشر؟ أوليست التجارة في الدين ومن أجل الدين هي صنوان الشريعة، وطريق الفوز بالجنة، والنجاة من العذاب؟ أولم نقرأ كل يوم قول الحق تبارك وتعالى في سورة الصف: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)” الصف.
من بوسعه أن ينكر أن أركان الإسلام وبنيانه القويم دليلهما عقدٌ صادقٌ وأمينٌ لتجارة منجية من العقاب، وجنات عدنٍ للمسلم الذي يتلمس طريق الخير والرضا في حياته العاجلة! فيكون مأكله ومشربه وملبسه من حلال، ولا يدع سبيلاً للغش والربا وأكل أموال الناس بالباطل، وحرمان الإناث من حقهن في الميراث، وشهادة الزور بثمنٍ بخسٍ دراهم معدودة.
التجارة مع الله عقد ليس فيه غش ولا تزوير ولا نكوص! يشتري الله منك مالك ونفسك وأغلى ما تملك من متاع الدنيا وعرضها؛ فتقبل بنفس راضية، وتسلم أمرك لقدره ومشيئته فهو صاحب الحكم والأمر والسلطان
“ما بال التجارة في الدين أضحت ميسماً وسبة بل وتهمة يلقي بها أصحاب البدع والمجون والسقوط في وجه أهل الحق والصلاح ويرددونها عبر الشاشات متى سنحت لهم الفرصة! كيف سمح بعض المتشيخين الذين أهرمهم الزمان وأكهلم عشق بلاط السلطان وأرائكه وموائده لأنفسهم أن يلجوا هذا الوادي السحيق، ويعزفوا على أوتار الضلال بأصابع النفاق والجبن وممالأة الحاكم حتى لو كان وراء ذلك هلاك البلاد والعباد؟! أهو المال الوفير والثياب الوثير والجاه الكثير؟ تالله إن هذا لا يساوي يوم الفزع جناح بعوضةَ! وهل ينفع المال والبنون يوم نعرض على الله عراة حفاة غرلا، وميزان الله ينتظر أعمال الخلائق فإما جنة عرضها السماوات والأرض او إلى جحيم والعياذ بالله!

يا هداك الله! التجارة مع الله عقد ليس فيه غش ولا تزوير ولا نكوص! يشتري الله منك مالك ونفسك وأغلى ما تملك من متاع الدنيا وعرضها؛ فتقبل بنفس راضية، وتسلم أمرك لقدره ومشيئته فهو صاحب الحكم والأمر والسلطان. يقول تعالى في سورة التوبة: “إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)” التوبة.
وأقوام أخرى أضلتها الحياة الدينا بزينتها، وأبت أن تتاجر في دين الله، واشترت الضلالة والكفر والفساد في الأرض؛ فكان الخسف والمحق والريح والطوفان مصيرها. لماذا حاقت بالأمم الغابرة صنوفٌ من العذاب والخسران المبين؟ أوليس ذلك لأنهم اشتروا البضاعة الفاسدة والمعتقدات البائرة التي نهاهم عنها الرسل فقالوا بكل كبر ومجاهرة بالجحود (هذا ما ألفينا عليه آباءنا)، ولن نحيد قلامة عن عبادة الأوثان؟ قال تعالى في سورة البقرة: “أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)” البقرة.
لا شك عزيزي القارئ أنك ستبدأ الآن تفكر بالأمر من منظور جديد بعيداً عن ضجيج الأرجوزات والأيقونات المصطنعة، والعمائم البالية التي أصابت الدين في مقتل بنصلها المسموم. ستضحك وتقهقه كثيراً عندما تسمع من يقول إن التجارة في الدين حرام وهم بذلك يحرّفون الكلم عن مواضعه ليصدوا عن سبيل الله.
لن أقبل بعد اليوم أن نتاجر في الدين على سبيل التهمة، فنحن حقاً وعدلاً تجار لهذا الدين، ولا نرتضي تجارة سواه

لا تتعجل كثيراً فالتجارة ليست بيع وشراء وتنتهي المسألة هكذا، بل قرض حسن من العمل الصالح ومساعدة المرضى وغوث الملهوفين وكفالة الأيتام، حيث يقول الحق تبارك وتعالى في سورة البقرة: “من ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ” (245 البقرة). نعطي الفقراء لندفع عنهم غائلة الجوع، ونجود على المعسر لنرد عنه حياة البوار، ونغض الطرف عن أعراض الناس حتى ننوء بجوارحنا عن الفاحشة؛ وبذلك نكون قد أقرضنا الله عمل الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لسنا نحن أصحاب المال وإنما مستخلفون عليه، فمن أقرض عبداً من عباد الله وفرج عنه كربة من كرب الدينا، فكأنما أقرض الله تعالى.
إذن المشكلة يا رعاك الله ليست في التجارة، وإنما في التاجر نفسه؛ فالتاجر الذي ارتضى لنفسه أن يبيع الخمر، ويروج المخدرات، ويذيع الفتنة والفجور بين الناس كان بوسعه أن يشتري ويبيع الفاكهة أو الحبوب أو التمور، ويطعم أولاده الرزق الحلال. لماذا ينكص أصحاب البدع عن طريق الخير والعدل والإحسان ويبتغون الظلم والفاحشة والبغي سبيلاً لهم من بعد ما جاءهم الحق من عند خالقهم؟ أليست سلعة الله غالية لا تضاهيها سلعة ولا منفعة في حياتنا الزائلة الفانية؟! قال تعالى في سورة الإنسان: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3 الإنسان).
لن أقبل بعد اليوم أن نتاجر في الدين على سبيل التهمة، فنحن حقاً وعدلاً تجار لهذا الدين، ولا نرتضي تجارة سواه. ولكن بماذا يتاجر أصحاب لوائح الاتهام والمتهجمون على الإسلام من عجم وعرب ومستعربين؟! لا شك أن الإجابة على هذا السؤال يتلمظ من مرارتها اللسان