“الحكي المالح” قصص من عمق المجتمع

كتب في 26 مايو 2020 - 2:57 م
مشاركة

بعد أن تبضعت من السوق، وضعت الأكياس في عربة يدوية، ونحن في طريقنا إلى المنزل أخدت أتجادب أطراف الحديث مع صاحبها وهو رجل بلغ من العمر عتياً، فوجدت في حديثه رصانة وفي أسلوبه اتزاناً، وكنت أنظر إليه وهو يتحدث فأرى في قسمات وجهه نضارة، وفي ابتسامته رضاً وسعادة، وفي نظرته تفاؤلاً قل نظيره، وكأن هذا الرجل الحمال المياوم، لا يحمل من هموم الدنيا شيئاً أبداً، بخلاف ما تعودناه من أقرانه العاملين في الأسواق، من كثرة الشكوى والتضجر والتأفف، تسمع ذلك في حديثهم، وتراه بادياً على وجوههم لما يواجهونه من ضغوطات الحياة ومتاعبها، قال لي بنبرة يسودها الفرح والإنتصار… وفي القريب العاجل بإذن الله سوف أُودع هذه الحبيبة أي –العربة– فقد ألح أولادي علي كثيراً بتركها والخلود إلى الراحة والعبادة، بعد أن تحسنت أحوالهم، وارتفع دخلهم، وأصبحوا في رغد من العيش، فقد فهمت أنهم يريدون إِراحتي ليبروا بي، ويقوموا على خدمتي، وأنا أرغب في أن أُتيح لهم الفرصة ليجدوا بر أولادهم، ولِما بيننا من المحبة والألفة والإِيثار والترابط ما أعجز أن أصفه لك…
تم أضاف قائلاً كنت كلما شعرت بالضعف أمام إغراءات المال، وكثرة متطلبات الأسرة التجأت إلى الله بأن يثبتني، فإذا عدت لبيتي ونظرت في وجوه أبنائي وبناتي زاد ذلك في ثباتي، فقد كنت أخاطب نفسي بأن أولادي هم أول من سيحاسبني ويتعلق في رقبتي في الآخرة لو أطعمتهم من كسب حرام، وبأن هؤلاء الصغار المساكين سأكون أنا من دمرت حياتهم في هذه الدنيا، وأضعفت قوتهم، وفرقت شملهم، وزرعت بينهم العداوة والبغضاء فيما لو أطعمتهم سحتاً وحراماً.
اقتربنا من المنزل وأنا أسبح في أمواج عاتية من الأفكار المتداخلة التي تواردت بشكل سريع في مخيلتي، وأنا أحاول خلال هذه اللحظات أن أتماسك، ودموعي قد حبستها في مآقيها، وبعد وصولنا أوقف العربة، واتجه يريد حمل البضاعة، فأسرعت الخطى وسبقته إليها وحملتها وكلي حياء وخجل من نفسي، ثم مددت إليه يدي وأعطيته أُجرته، فأخذها ووضعها في جيبه ولم يتأكد من عدها، وغادر بعد أن ألقى علي السلام مودعاً، فلم أستطع أن أرد عليه وداعه خشية انكشاف أمري وتفجر دموعي وارتفاع صوتي بالبكاء…
“وفي السماء رزقكم وما توعدون”
صدق الله العظيم