اخبار واسرار اعلام قلعة لكرار، سيدي الحاج محمد دفين تملالت نموذجا

كتب في 14 مايو 2020 - 10:17 م
مشاركة

طالما وُضع كل ما هو شفوي على هامش الاشتغال العلمي، على خلفية اعتماد الباحثين في كل المجالات على الوثيقة، التي تكون في الغالب مكتوبة أو على الأقل ملموسة. لا يمنع ذلك من أن يكون ما هو شفوي شاهداً على التاريخ وأحد محامله التوثيقية.
يحاول كتاب “التاريخ الشفوي ودراسة السياسات” أن يسلطوا الضوء بالأدوات العلمية الحديثة هذا الحقل والمجال المعرفي المهمل.
يحاول الاستاذ عز الدين اللوزي من خلال اعادة قراءته لحقب التاريخ غير المكتوب ،اعتمادا عل الرواية الشفوية التي اعتمدتها الكثير من المصادر التاريخية للعمل على استحضار حقب يطالها النسيان بقلعة السراغنة التي كانت تسمى قلعة لكرار ،في محاولة لتجميع الذاكرة في قالب سردي تاريخي خاص باعلام السراغنة عبر مقاربات في المفاهيم والمنهج والخبرات، ومقاربات اخرى تعنى بالحقل الاجتماعي الأنثروبولوجي.
بما أن التوجه الديني المغربي أجمل في هذه المقولة : “عقد الاشعري و فقه مالك و طريقة الجنيد السالك ” ، نواصل مسامراتنا المعرفية الماتعة باحاطتنا بكل الشخصيات المنقبية المحلية تحقيقا لهدفنا المنشود القاضي بتجميع كل المعطيات و المعلومات الكفيلة بتنويرنا و اماطة اللثام عن ذاكرتنا المحلية في شقها الهاجيوغرافي السوسيولوجي … نحط الرحال اليوم عند اخر حلقة او حبة من عنقود الطريقة / الوسيلة / الوظيفة الرحالية باعتبارها اهم الطرق الصوفية التي طبعت مسلك التصوف باقليم قلعة السراغنة …
انه وريثها الولي الصالح سيدي الحاج محمد دفين تملالت البلدة الامازيغية الاصل بالنظر الى المصطلح من حيث صيغته التفعيلية التأنيثية .اذ غالبا ما تستعمل صيغة ” تا” في اللغة الامازيغية للدلالة على اسلوب التأنيث . ف” ملال ” او ” ملول ” تعني الابيض و اذا ما الحقنا به تاء التأنيث الامازيغية فتملالت تعني البيضاء على نحو تافراوت/ تادارت / تارودانت …الى غير ذلك من الاسماء التي على هذه الصيغة.. و هي ملتقى و تلاقح ثلاث قبائل: السراغنة و الرحامنة و زمران و مجمع و روضة الكثير من الشرفاء الرحاليين الذين ختمت صحفهم بهذه الارض المباركة و من ضمنهم الولي الصالح سيدي الحاج محمد موضوع هذه التدوينة المتواضعة …
هو سيدي الحاج محمد ” بختة” بن احمد بن رحال بن الطوسي بن الولي الصالح سيدي عبدالرحمان بن عبدالكريم بن عبدالله بن محمد مول الصهريج بن عبدالعزيز بن الشيخ سيدي رحال المتوفي عن سن يناهز 96 سنة اي سنة 1936م . و هو حامل مشعل التأسيس للزاوية الرحالية بالقلعة بدرب الزاوية المسمى نسبة اليها و التي تحولت فيما بعد الى مدرسة لتلقين علوم القران و الحديث و الفقه و الاصول و مسلك و ورد و منهج سيدي رحال في التصوف بعدما كانت شمعة التأسيس بيد المؤسس الاول لها الولي الصالح سيدي عبد الرحمان بن عبدالكريم حامي قبيلة الحافات من غضب و سخط “عصبة الحق و التعبد ” عساسين تساوت اثر اجتماعهم الطارئ على قمة كدية العساسلة بعد توالي الشكايات و التظلمات الغيبية عليهم من قبل القبائل المجاورة التي تعرضت لظلم و جور و طغيان الحافات ابان تلك الحقبة .. فحسب الشهادة الشفهية جاء هذا الاجتماع الرباني القضائي للتداول في استصدار حكم فاصل و عادل قاضي باحقاق حق القبائل المظلومة و زجر قبيلة الحافات . الا ان الولي الصالح سيدي عبدالرحمان حال دون ذلك بوقوفه الى جانب الحافات باشهاره ورقة الفيتو و رفعه السجادة ” اللبدة / الهيضورة ” التي كانت مخصصة لجلوسه و وضعها تحت ابطه مخاطبا عساسين تساوت بقوله : هؤلاء – يعني الحافات – مني و هم تحت حمايتي ” و هذا ما يفسر خدمة الحافات للولي الصالح سيدي عبدالرحمان في حياته و مماته بتخصيص موضع لقبره و بذبح القرابين : المرفودة / الذبيحة احتفاء بذكراه و عرفانا بمناقبه و كراماته التي تعتليها حسب ما يلتصق بذاكرة جل السراغنة ” كرامة مبدل الطفلة بالطفل” التي لنا عودة للتفصيل في سياقها …
توفي سيدي عبدالرحمان ليخلف سره الرباني سيدي الحاج محمدالذي أفعم حقيبته و صحيفته المناقبية بالكثير من الكرامات و الاسرار الربانية نحصرها في كثرة احسانه و جوده و كرمه و انعامه على الفقراء و الدروايش بما جادت عليه القبائل من الخيرات ، حيث كان يتصدق بالكل و يقتصر في غذائه على وجبة واحدة بعد العصر ، تنبأ لدوار بويا رحال التابع لجماعة الجوالة بانتاج مادة الغاسول و تحققت نبوءته …لكن المثير للدهشة و الغرابة و نحن بصدد استقطار ماعلق بالذاكرة هو ما اوردته هاتين الشهادتين الشفهتين المرتبطتين بالحقبة الاستعمارية :
تقول الشهادة الاولى : نظرا لتوافد كثير من القبائل المغربية و في مقدمتهم قبيلة الشاوية و دكالة على بيت الولي الصالح طلبا للمعرفة الدينية و البركة الربانية ، تناهى الى مسامع المراقب المدني / القائم الفرنسي بالشؤون الاهلية le contrôleur civil اخبار عن تجمعات يؤطرها الولي الصالح . و خوفا و تحسبا مما قد تشكله هذه التجمعات من بوادر قيام حركات تحررية/ انقالبية ضد المستعمر . توجه على وجه السرعة الى مقر التجمعات بغية التحقق من كون سيدي الحاج محمد اهو ولي صالح ؟ ام زعيم تحرري ؟
و فور وصوله تحداه بقوله : اذا كنت مرابطا او وليا صالحا او مرشدا دينيا ” marabout un guide religieux musulman . فأتني بخبزة تخبز باحد الافران بفاس ، فما كان من سيدي الحاج محمد الا ان اخرجها سخونة يتطاير الدخان منها من تحت ابطه مطبوعة و مذيلة بخاتم الفرن الفاسي فبهث الذي كفر و امر بتوقير و احترام الولي طيلة حياته …
بينما تؤكد الثانية : وقوع هذه الطرفة المناقبية خلال فترة حكم القائد احمد الطوكي لمدينة قلعة السراغنة ابان الحماية الفرنسية 1912 الى 1947 و الذي عرف عنه العدل والاحسان الى الفقراء والاكرام و التعلق بالشرفاء حفدة الولي الصالح سيدي عبد الرحمن وهو ما جعله يوصي بدفنه داخل حرم الضريح بالقلعة …شارك في حملات /حركات – باسكان الراء – التهدئة وردع السيبة واخماد الثورات ضد المخزن والمحافظة على النظام العام …عرف عليه الحكمة وشدة الحزم والشخصية القائدية القوية و هو ما يفسر رفضه طلب توسط سيدي الحاج محمد للافراج عن احد الجانحين المخالفين نظرا لانزعاجه بكثرة الوساطات المصادفة لتوقيت السيبة و الانفلات و السرقة التي طبعت المرحلة و ذلك بقوله للولي الصالح : سيدي الحاج قد اكثرت من التوسط ، ربما ساترك لك هذه القلعة حتى ترضي و تلبي طلبات سكانها ؟ فما كان من جواب الولي الصالح الا ان قال له : لا عليك بل انا من ساترك لك القلعة ..و في هذه الليلة امر القائد باطلاق سراح مسجون اخر . فأخطأ الحراس فاطلقوا سراح السجين موضوع توسط الولي الصالح . الذي استفسر عنه القائد مساء فأجابوه بانهم أخطؤوا فاطلقوا سراحه ، حينها شعر القائد بالندم فقال : اطلقنا المسجون و اغضبنا الشريف ..”
هاجر سيدي الحاج محمد الى مدينة تملالت و مكث فيها يدرس علوم الدين و اصوله و ينفذ رغبات الزائرين و طالبي كراماته الى ان وافته المنية بها سنة 1936 م مخلفا وراءه ابناء هم : السادة احمد و الطاهر و العرابي و التهامي و ادريس و لالة خدوج
رحم الله ولينا الصالح و سائر من عايشوه و عاشروه رحمة واسعة ..و الى حلقة قادمة مع ولي صالح و منقبة و مكرمة اخرى
المرفقات : صورة الضريح + حجرة تيممه +بلغته + اناء وجبته الغذائية