يا مسهرني : المرأة ذات الفم الكرزي مشروع قراءة سيميولوجية في صورة

كتب في 5 أبريل 2020 - 6:46 م
مشاركة

عبد الجليل بن محمد الازدي/مراكش

عبارة العنوان هنا هي نفسها عنوان قصيدة الشاعر أحمد رامي التي لحنها سيد مكاوي وغنتها أم كلثوم: ” ماخطرتش على بالك يوم تسأل عني ** وعنيه مجافيها النوم يا مسهرني؛ دانا قلبي بيسألني إيه غير أحواله**ويقول لي بقى يعني ما خطرتش على باله”. وضمن القصيدة إياها، نقرأ: “يا مسهر النوم بعنيا سهرت أفكاري وياك”. و الواقع أني سهرت وسهر النوم في عيوني وسهرت أفكاري، وأنا أتأمل الصورة أدناه. فما سبب هذا السهر المثلث؟
سهرت فعلا أرواد الصورة أدناه، خاصة وأن واحدا من أصدقائي المجانين اعتبرها حبيبته والتمس منها ضمه إلى صدرها وخصرها، مع العلم ألا خِصْرَ في الصورة، وما يبدو من الصدر قليل. ولا شك أن ذلك الطلب ناتج عن فتنة الصورة، وعن فتنة عناصرها وبنياتها. وما سهري إلا نوع آخر من جنون صاحبي الزهراوي.
سهرت مراودا الصورة، فلم تضمني ولم أستطع ضمها؛ ومع امتناعها وتمنعها، وضعتها أمامي، وانصرفت لإلهاء نفسي الأمارة بالسوء، إلى قراءة رواية حنا مينة: المرأة ذات الفم الكرزي. أقرأ سطور الرواية قليلا، وأتملى الصورة طويلا.
لست قيسا وهي ليست ليلاي بالتأكيد، برغم فتنتها وسهري، وعلى الرغم من نظرتها المغناج التي قد ترسل الكثيرين إلى المارستان أو برشيد أو بويا عمر، أو الفضاءات المخصصة لاستشفاء من مسه الجن أو الشيطان. هي فعلا نظرة مغناج، لكنها حادة لأنها تبدو مثل إطلالة من وراء ستار أدركه الليل وأسدل فوقه سدوله. الليل ذاك الشعر البهيم المكهرب والمتطاير فوق الناصية. أملس وناعم وفاحم. يشبه سبيب ذيل جواد أدهم.
تتضاعف فتنة الصورة عبر التقابل بين الشعر الأسود الفاحم والأحمر الكرزي فوق شفاه فم لاحم؛ ممتلئة هي تلك الشفاه امتلاء طبيعيا لا دخل لصناعة التجميل فيه؛ غير أن الامتلاء هذا لا يصير ذا معنى ودلالة إلا عبر تتبيله بلون الكرز وتوت الأرض أو التوت البري. اللون هذا وعد بالحب. ووعد الحب مثير أكثر من الحب نفسه. بل إن هذا الوعد هو واحد من جذور جاذبية الصورة. والذين يفهمون في أكسسوارات التجميل، لن يفوتكم إدراك أن لون الكرز في الشفاه يقوم علامة على الارتباط والزواج، تماما مثل تلك النقطة الرمزية التي تضعها النساء الهنديات فوق جبينهن. وقد لا يفوتهم بعد ذلك أن اللون الكرزي في أحمر الشفاه معبر؛ إنه يقول شيئا من قبيل: قد أحبك أو أعدك أني سأحبك. غير أن الوعد يتجمد في الصورة ويبقى وعدا، تماما مثل الأمل الذي لا يعطينا سوى الأمل، أما الأشياء والموضوعات المأمولة، فلن تغادر مدار الرغبة والأمل. ومن الأكيد وجود مسافة بين الرغبة وإنجازها، وبين الوعد بالحب والحب.
وقد يكون صديقي الزهراوي المجنون قد جُنَّ بفعل الكرز وتناقضه مع سواد الشعر ؛ لذلك جعل الصورة ” حبيبته” أو افترض فيها حبيبة مرغوبة ملتمسا منها ضمه إلى صدرها وخصرها؛ بل إن جنونه بلغ به إلى مستوى الرغبة، لا في ضمها فقط، بل احتضانها وابتلاعها؛ تبقى هذه الرغبة الكاوية مبررة بما يقوم في الصورة واخزا ومثيرا؛ لكن ما السبيل إلى الابتلاع؟ وما العمل مع ذلك الخلد المتدلي من حلمة الأذن اليمنى ومع ذلك القرط المتمسك بأهداب أرنبة الأنف؟ الخلد قرط تزيَّن به الفتاة والغلام. والأصح أن القرط للفتاة والخلد للولد والغلام. نقرأ في القرآن ضمن سورة الواقعة: ” يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ. لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ. وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ. وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ. وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ. جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا، إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا “. وفي سورة الإنسان (الآية 19): “وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا “.أي باقون على ما هم عليه من الشباب والغضاضة والحسن، لا يهرمون ولا يتغيرون، ويكونون على سن واحدة على مر الأزمنة . وقيل: مُخَلَّدون لا يموتون. وقيل: مسورون مقرطون، أي مُحَلَّوْن. والتخليد التحلية والتزيين. قال امرؤ القيس:
وهل ينعمن إلا سعيد مخلد*** قليل الهـموم ما يبيت بأوجال.
والخلد قرط أو سِوار للفتاة والغلام. قال الشاعر: “ومخلدات باللجين كأنما أعجازهن أقاوز الكثبان.”

ويدل ذلك على أن القرط والخلد في الأذن والأنف واللسان وأسفل الشفة السفلى والسُّرَّة، هي ننوء يظهر في البطن بسبب السُّرّ الذي يربط المشيمة ببطن الطفل، هي ظاهرات قديمة جدا وكانت مما تتنعم به الأرستقراطية القرشية، ومما يزين الكواعب الأتراب والغلمان اللواتي والذين يعبث بهن وبهم الأمراء الخلعاء والسلاطين السفهاء في قصور الساسانيين والفرس والبيزنطيين والرومان. أما الآن، فقد صارت ظاهرة شعبية وجماهيرية لدى جمهور من الناس لا يدرك تاريخها ومغزاها. جمهور ممن يمكن إدراجهم ضمن العبارة القرآنية: ” ويخلق ما لا تعلمون”