الرئيسية / صحافة واعلام / حرية الصحافة بين النظرية والممارسة .

حرية الصحافة بين النظرية والممارسة .

جميلة حلبي:

لاشك أن أي نظام دیمقراطي لا یقوم إلا على السلطة الرابعة، أي الصحافة التي ھي العجلة المحركة لھذا النظام، على اعتبار أنھا ھي التي توفر المعلومات والآراء وتستقي الأخبار من أمكنتھا وتطرحھا للشعوب، فلو افترضنا انعدام الصحافة لما كانت الشعوب على اطلاع بما یدور في العالم من أحداث وحوادث ومشاكل، ولما استطاع الكثیرون معرفة ما یجري ویدور في بقاع العالم القصیة، فلا وجود إذن لنظام دیمقراطي دون وجود الإنسان، حقوق الصحافة في استكشاف المعلومة ونشرھا بواسطة الصحف والمجلات والكتب والنشرات السلطة الرابعة التي تندرج ضمن حریة الرأي وحریة التعبیر، التي تندرج بدورھا ضمن المفھوم العام لحقوق الخبریة عبر الإذاعات والقنوات التلفزیة، لكن ھذا لا یعطي الحق للصحافة لنشر ما تراه صالحا دون تدخل من الحكومات ما لم یكن في ذلك مساس بالنظام الداخلي والأمن القومي للدولة، فالمساحة المعطاة للصحافة، تنحصر في نشر الأخبار والمعلومات، وكذا نشر الثقافة والفكر والعلوم والتقالید والعادات، وغیرھا من الأخبار والحوادث الیومیة، دون تجاوز حدود القانون، وضمن إطار حفظ الحقوق والحریات والواجبات العامة، واحترام حرمة الأشخاص وخصوصیاتھم.
وبھذا الشأن، شرع القانون الدولي حمایة لحریة التعبیر والرأي ومن خلالھا حریة الصحافة، ضمن المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر سنة 1948 والتي تنص على أن ((لكل شخص الحق في حریة الرأي والتعبیر، ویشمل ھذا الحق حریة اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقیھا وإذاعتھا بأیة وسیلة كانت دون تقید بالحدود الجغرافیة))، لتأتي بعده الاتفاقیة الأوروبیة لحریة الرأي والتعبیر، وقد كان ذلك سنة 1950 وتخص الدول الأعضاء فقط في المجلس الأوروبي آنذاك، ثم تم وضع المیثاق الإفریقي لحقوق الإنسان عام 1981 ،حیث نص في المادة 9 على أنھ ((یحق لكل فرد أن یعبر عن أفكاره وینشر آراءه في إطار القوانین))، كما نصت المادة 23 من مشروع المیثاق العربي لحقوق الإنسان على أن ((للأفراد من كل دین الحق في التعبیر عن أفكارھم عن طریق العبادة أو الممارسة أو التعلیم، بغیر إخلال بحقوق الآخرین، ولا یجوز فرض أي قیود على حریة العقیدة والفكر والرأي، إلا بما نص علیھ القانون)).
لكن وھذا مربط الفرس، فتطبیقات ھذه المواثیق تختلف من دولة لأخرى، ومن نظام لآخر، ومن الدول من تمیل للالتزام بتطیق القوانین الصادرة عن مجلس حقوق الإنسان العالمي، ومنھا التي تلتزم بتطبیق قوانینھا السلطة الرابعة حسب الظروف والحیثیات وزمن نشر الخبر أو المعلومة، لذا فموجة اعتقال الصحافیین، ظلت الخاصة، وبالتالي، فھذا ھو الذي یحكم طبیعة التعاطي مع ما تصدره الصحافة، إذ یختلف التعامل مع جھاز تتأرجح أرقامھا من نظام لآخر، حسب طبیعة الحكم السائد وحسب ما تم نشره، وقد تعددت التنظیمات المنافحة عن الصحفیین، كـ“مراسلون بلا حدود“ و“لجنة حمایة الصحفیین“التي جاء في تقریر صادر عنھا مؤخرا، أن ھناك أكثر من 251 صحفیا معتقلین في جمیع أنحاء العالم، مما یؤكد على النھج الاستبدادي في التعامل مع تعتبرھا السلطات منظمات إرھابیة، أو تقدیم المساعدة إلى ھذه الحركات، وارتفع عدد الصحفیین السجناء بسبب یواجھ معظم الصحفیین السجناء في العالم، اتھامات بمناھضة نظام الدولة، من قبیل الانتماء إلى جماعات السعودیة مقارنة بالعام الماضي، كما ظلت تركیا، البلد الذي یسجن أكبر عدد من الصحفیین في العالم، حیث التغطیة الصحفیة الناقدة، وقد ازداد عدد الصحفیین السجناء في كل من الصین ومصر والمملكة العربیة اتھامات بنشر ”أخبار كاذبة“ مؤخرا إلى 28 صحفیا في العالم، مقارنة بتسعة صحفیین فقط منذ 2016، وتسجن مصر أكبر عدد من الصحفیین على خلفیة اتھامات بـ“نشر أخبار كاذبة”، إذ یبلغ عدھم 19 صحفیا، والمغرب، صحفیا واحدا على خلفیة ھذه التھمة، ولعل مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، أكبر ضرب تتبعھا الكامیرون التي تسجن أربعة صحفیین، ثم رواندا التي تسجن ثلاثة صحفیین، وتسجن كل من الصین سافر لحریة الصحافة وحریة التعبیر، باغتیالھ خارج وطنھ الأم، ولیس أخیرا ما وقع للصحفیین وا لون وكیاو سوي أوو، العاملین في میانمار لصالح وكالة ”رویترز“ لتغطیة الاضطھاد الذي تتعرض أقلیة الروھینغا المسلمة ھناك.