الرئيسية / افتتاحية / نص : تافروات او موسم الهجرة  الى الجنوب..
الثقافية ليوم الثلاثاء 25شتنبر 2018

نص : تافروات او موسم الهجرة  الى الجنوب..

محمد دخاي:

خيط ضوئي يسرد دمعة وهو يشع على وجهي من جبل قريب  وانا  اصل المدينة داك الصباح الباكر، وجوه  نبتت منذ زمان تنسج خطواتها على التربة ، تقرا اثر الزمن وكأنها تنتظرني فهي تسع كل الوجود بنخبوية متفردة  يشبه سكانها متصوفة انعزلوا في دير بعد ان رهنوا انفسهم للمحبة واحلام الناس…..

تسافر في كل ارجاء المغرب لكن لتافروات نغمتها الخاصة ، فزميلي  وصديقي في الكلية انداك كان من تافروات ، وكان لزاما علي ان ازوره لكي نحول المكان الى منصة للكتابة والبحث عن اناس شكلوا  ذات العالم لم يضعوا انفسهم في ابراج نخبوية ولأنهم لا يعيشون في عزلة منسية وضعوا كل الاشياء الجميلة في صلب مشروع للمكاشفة والبوح …

تافروات نغمة متفردة في جبين خريطة الوطن الممتد من البحر الى الصحراء بأناسها وجبالها الهاربين من صخب الاستهلاك اليومي وروتين المدن تجعلك تتوغل في انتمائها في خلسة روحانية ..

الخيط الضوئي ما زال يزحف وهاهي الجحافل من الناس  تسير في كل الاتجاهات، اختار لنفسي  مقهى بسيطا على جانب الطريق ، اجلس على كرسي خشبي يحمل تاريخا من مرور العابرين ، يجلس مسن بجانبي ربما ينتظر شيوخا هدهم الزمن  لان ما يجمعهم  كل صباح بعيدا عن الحياة العصرية بكل تجلياتها وهمومها هو كأس من الشاي المنعنع  الذي هزت رائحته فضولي بحنين من المودة وكثير من التعارف …

الشارع الرئيس بدا منتشيا بزوراه من المتسوقين البسطاء، قليل من الرزق لكن فيه من جمالية العطاء الشيء الكثير ، اناس يتنفسون بأريج العمر الذي ينثرونه عطاءا وافرا  رغم صعوبة  الحياة  في ذروة  العمل وشدة المهمة ، الا انها لذة العيش في العمل رغم ان كثيرا من ابنائهم غادروا تافراوات سنوات و اسابيع وشهورا الى كل ربوع الارض التي جعلها الله ذلولا لنمشي في مناكبها وناكل من رزقه .

جلسة السوق اكتشفت من خلالها انني في فضاء غير الفضاءات السابقة التي احتوتني  سالت الشيخ الذي كان بجانبي عن فضاعات  الزمن وما فعله بأناس مروا من هنا ، اكد لي  بحسرة بالغة بان  هناك اسماء خالدة جرجرها الموت بعيدا وبقيت رائحة من الذكرى ، لقد كانوا  روادا للجلسات الصباحية  بعد ان تحولوا من اسماء لها من الصيت مالها الى نسمة هوائية تختلط ذكرياتهم برائحة الشاي المنعنع وزيت الاركان والخبز الساخن..

تافروات مدينة مثقلة بالتراث وسحر الماضي الذي ينقش وجوه البيوت ، والوجوه التي تعشق الحياة ورونقها حتى الثمالة كمكان يعيد لهم بريق الوجود وجمالية المكان التي تجعلهم يولدون كل يوم مرارا وتكرارا في جيوب السكينة والصمت واكتظاظ الحياة بالأشياء المألوفة لديهم  كمعرفتهم بالأمكنة التي اعتادوا عليها وفرزوا بها حياتهم…

ترى من اين جاء هذا المكان بسحره ؟ وكأنما يتمحور العالم برمته حولها حتى وان اختلف ايقاع ولون خواص سكانها و امتازت ارواحهم ووجوههم بالتضاريس المتباينة وان تمايز وحلهم  وطينهم وهواجسهم فهم في النهاية الى  لحن  للحياة  يعزفونه على مزمار السكينة والثقة العالية .

تبتلعني تافروات كل مرة ازورها  ليس لأنني احببتها ولكن لأنني عشقتها فالعشق انصهار في المعشوق فأخذت روحي بمجماعيها لتغدق علي انفاسها بنسمة باردة  كما تفعلها مع الجميع…

في العشق تتنسك الاوردة وتحت شجرة المنتهى ، نرتل الاناشيد من اجل فضاءات خلقت للحب وتغرد للهواء الطلق فتصبح ساحة ممتدة بكل البوح تسترخي هناك في الجنوب ترصد كل الاشياء الجميلة التي لا يمكن ان تنسى…..

يوليوز2018