الرئيسية / كُتّاب وآراء / وسائل السلب الاجتماعي!

وسائل السلب الاجتماعي!

هاجر المنيسي:

اثّرت وسائل التواصل الاجتماعي بشكل سلبي على علاقاتنا الإنسانية وتواصلنا الأسري والاجتماعي، إلى جانب تأثيرها في مهارات التواصل الاجتماعي المباشر لدى كثير من أفراد المجتمع، حيث تشير بعض الدراسات إلى أن الاستغراق في استخدام هذه الوسائل يضعف العلاقات الاجتماعية، ويقلل من التفاعل الاجتماعي في محيط الأسرة، من ناحية قلة الزيارات واللقاءات العائلية.
كما أن هذه الوسائل تزيد أيضاً من الاغتراب النفسي بين الشباب ومجتمعهم، وذلك من خلال تأثيرها في مهارات التواصل الاجتماعي؛ الأمر الذي قد يتسبب في عزلة اجتماعية، باعتبار أن هذه التحولات التكنولوجية قد أفرزت تفاعلات جديدة للعلاقات الأسرية، أدت إلى تعزيز العزلة والتنافر بين أفرادها وتلاشي قيم التواصل الأسري؛ فقد استبدل الأبناء الإنترنت بآبائهم كمصدر للمعلومات، وفقدوا الترابط الأسري، والتصقوا بالحوار مع الغرباء لدرجة الشعور بالغربة على مستوى الأسرة الواحدة، ليس هذا فحسب وإنما اتجه البعض إلى استخدام التطبيقات التي تمكّن الشخص من تقمّص شخصية وهمية، تتيح له التفاعل مع مجتمع وهمي وأصدقاء وهميين.
وفي اعتقادي، أن السبب في انتشار هذه الظاهرة يرجع إلى فقدان التفاعل والانسجام مع المجتمع الفعلي الذي يحيط بالفرد، لذلك أصبح اللجوء إلى هذا المجتمع الوهمي بديلاً عن التفاعل الاجتماعي الصحي مع الأهل والأقارب والأصدقاء، وقضاء الساعات الطويلة في استكشاف مواقع الإنترنت المتعددة؛ مما يعني تغيراً في منظومة القيم الاجتماعية للأفراد، حيث يؤدي ذلك إلى الاستخدام المفرط للقيم الفردية بدلاً من القيم الاجتماعية، الفعل الذي يعزز الرغبة والميول نحو الوحدة ويقلل من فرص التفاعل والنمو الاجتماعي.
ويلاحظ أن مواقع التواصل الاجتماعي تؤثر سلبياً على الصداقات والعلاقات الاجتماعية، وقد تتسبب في قطع العلاقات بين الأصدقاء المقربين، كما أنها تؤدي إلى تضييع وقت كثير دون استثماره في شيء مفيد، بالإضافة إلى عدم رغبة المستخدم في الاختلاط، والاكتفاء بمتابعة الحياة عبر الشاشة، ومراقبة أصدقائه بدلاً من التفاعل معهم، فضلاً عن التأثير على الترابط الأسري، والشعور بالوحدة والعزلة الاجتماعية، والاكتئاب، وعدم الثقة في النفس.
باعتبار أن الكثير من الناس أصبح يعيش العزلة مع الآخرين، وذلك نتيجة انعكاس طبيعة الحياة العصرية الجديدة على أفراد المجتمع، حتى إن تلك العزلة أصبحت تمتد إلى أن يشعر بها المرء مع ذاته، فربما يجلس مجموعة من الأفراد في مكان واحد بأجسادهم، ولكن بعقولهم وأرواحهم فإنهم يعيشون العزلة، بسبب انشغال كل واحد منهم مع تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي، على الرغم من اعتقاد البعض بأن وسائل السوشيال ميديا ليست المتهم الأول في تباعد الناس عن بعضها البعض؛ كون وسائل اللهو موجودة منذ القدم حتى قبل وجود وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن الفرد في الزمن الماضي لم يكن لديه مشاكل كثيرة ولم يكن لديه تطلعات كبيرة، كما أن مصادر التقارب الاجتماعي كانت قوية، فلم يكن الفرد بحاجة إلى أن يتجه للعزلة؛ لأنه لا يوجد ما يساعده على ذلك.
لذلك، يبقى السؤال حول كيف نعيد تواصلنا الاجتماعي كما كان في السابق؟ وكيف تعود الأسرة الواحدة للارتباط والترابط؟ وكيف تعود علاقاتنا الاجتماعية؟ وكيف نشجع أبناءنا على استغلال أوقات الفراغ بأمور مفيدة بعيداً عن قنوات التواصل الاجتماعي، كالعمل التطوعي ومشاركة الأنشطة الاجتماعية؟ فهذه أمور تساعد الإنسان لأن يرتبط بعمل تطوعي ولقاء اجتماعي، فيخرج من العزلة تلك التي أوجدها الفراغ الذي يعيشه.;