الرئيسية / كُتّاب وآراء / خطاب «القدرة» و«الطاقة» و«الريادة»
Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2016-06-11 21:16:15Z | |

خطاب «القدرة» و«الطاقة» و«الريادة»

العالم بريس:

هذا خطاب الثبات.. للتاريخ. خطاب فارق في ظل أزمة غير مسبوقة لم يشهدها البيت الخليجي، نتيجة سياسات ومواقف «غير مسؤولة» من دول شقيقة، لم يتخيل عقل أن يصل لدد «الخصومة السياسية» عند مسؤوليها إلى حد فرض حصار شامل على شعب شقيق مسالم، ومنع وصول الدواء والغذاء وكافة مستلزمات الحياة عنه، ثم يت م تبرير ذلك بأضحوكة أنه لـ «مصلحة الشعب القطري»!
العنوان الأبرز لخطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى -حفظه الله- مساء أمس، أنه «خطاب الكرامة الوطنية». خرج صاحب السمو على كل المهتمين بالأزمة الخليجية على امتداد العالم، بثوابت السياسة القطرية، والأسس التي استندت إليها الدوحة منذ بدء الأزمة، وهي أنها منفتحة على الحوار مع باقي الأطراف، ومناقشة كل القضايا الخلافية، وصولاً إلى حل يقوم على مبدأين أساسيين:
أولاً: أن يكون الحل في إطار احترام سيادة كل دولة وإرادتها.
ثانياً: أن لا يوضع في صيغة إملاءات من طرف على طرف، بل كتعهدات متبادلة والتزامات مشتركة ملزمة للجميع.
بهذين المبدأين جدد صاحب السمو الثوابت الراسخة لدولة قطر منذ التأسيس، والتي تحفظ سيادة وكرامة وطن قدّم ويقدم الكثير لأمته، وفي القلب منها بيته الخليجي، حرصاً على كيان مجلس التعاون، واستمرار مسيرته، في ظل عواصف عاتية تمر بها المنطقة، تتطلب تكاتف الجميع، وتسخير الجهود لتصب في المصلحة الحقيقية للشعوب، وتحسين مستوى معيشتها، وكم كان صاحب السمو معبراً في كلماته بهذا الشأن، وهو يؤكد أهمية «توفير الجهود العبثية التي تبددها دول في الكيد للأشقاء على الساحة الدولية، عسى أن تستثمر هذه الجهود في خدمة قضايا الأمة».
إن مضمون هذا الخطاب التاريخي لأمير البلاد المفدى تلخصه ثلاث كلمات مستمدة من اسم قطر وهي «قدرة» و«طاقة» و«ريادة».. «قدرة» على التفاعل مع الحصار بأخلاق عالية، و«طاقة» جبارة من المواطنين والأشقاء العرب والمقيمين (شركاء النهضة) على تحمّل صعاب الحصار، ثم «ريادة» قطرية في التعامل بسمو ومسؤولية مع المعاهدات الدولية، حيث واصلت الدولة الالتزام بكل اتفاقيات الغاز والطاقة إلى جميع دول العالم، بما فيها إمارة أبوظبي، على الرغم من بند «القوة القاهرة»، ومنها «الحصار» الذي يتيح لقطر قانوناً عدم تنفيذ بعض الاتفاقيات، لكنها لم تفعل لاقتناعها –بالفعل وليس الكلام- أن الشعوب يجب ألا تدفع ثمن أية اختلافات في السياسات بين المسؤولين.
وهذه الريادة في التعامل بحكمة ورقي مع الأزمة، أكدت أن قطر تسير وفق سياسة رصينة حملت تقدير كل العالم، ودفعت وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إلى القول إن مواقف قطر منذ بداية الأزمة اتسمت بـ «العقلانية».
لقد وجّه صاحب السمو رسائل عديدة في خطابه، حملت الكثير من المعاني والدلالات، ووضع المجتمع الدولي أكثر في صورة ما يحدث، وعلى السبب الحقيقي للأزمة، وهو محاولة المساس باستقلالية القرار القطري، وسيادة «كعبة المضيوم».
لكن الملاحظة الأولى، أن صاحب السمو ألقى خطابه أمام صورة تجمع الشيخ عبدالله بن جاسم ونجله الشيخ حمد بن عبدالله، في إشارة لا تخفى عن الأعين، مفادها أن الاستقلال الوطني سلسلة متصلة من أيام المؤسس والأجداد، وحتى «تميم» مروراً بكل قادة قطر، كما ظهرت خلف صاحب السمو صورة لسمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، عرفاناً بدوره الكبير في الحفاظ على سيادة الدولة، والبدء في نهضة شاملة بمختلف المجالات، وهي النهضة التي دفعت معسكر الجمود وتصلّب الشرايين أصحاب نظرية «طفح الكيل» إلى الحقد على نجاحات قطر، واعتبارها تغريداً خارج السرب!
من أهم الرسائل التي حملها الخطاب، أن «كل من يقيم على هذه الأرض ناطق باسم قطر»، واعتزاز صاحب السمو بـ «المستوى الأخلاقي الرفيع الذي يتمتع به هذا الشعب، في مقابل حملة التحريض والحصار الذي تلاها، وإلى جمعه بين صلابة الموقف والشهامة التي تميز بها القطريون دائماً»، وتأكيده أن أهل قطر «أذهلوا العالم بحفاظهم على المستوى الراقي في مقاربة الأوضاع، على الرغم مما تعرضوا له من تحريض غير مسبوق في النبرة والمفردات والمساس بالمحرمات، وحصار غير مسبوق أيضاً في العلاقات بين دولنا».
ترى كيف ينظر أصحاب الحملة على قطر إلى وجوههم، وهم يسمعون كلمات صاحب السمو بشأن استخدامهم أسلوب التشهير والافتراء على قطر، على الرغم من أن هذا «في كل الأعراف عيب»؟! وتنويه سموه بأن «أولاً الادعاءات غير صحيحة، وثانياً لأنها مساس بغير حق بدولة شقيقة»، ومتسائلاً: «ألا نعلم أبناءنا منذ الصغر أن الوشاية والكذب هما رذيلتان من أسوأ الرذائل؟ أليس التشهير وتلطيخ السمعة جريمة يحاسب عليها القانون في جميع الدول المتحضرة؟».
أما النقطة الجوهرية في خطاب الكرامة، فهي تأكيد صاحب السمو «أنه وجدت وتوجد حالياً خلافات مع بعض دول مجلس التعاون بشأن السياسة الخارجية المستقلة التي تنتهجها قطر. ونحن أيضاً بدورنا لا نتفق مع السياسة الخارجية لبعض الدول الأعضاء في مجلس التعاون، ولا سيما في الموقف من تطلعات الشعوب العربية، والوقوف مع القضايا العادلة، والتمييز بين المقاومة المشروعة للاحتلال وبين الإرهاب، وغيرها من القضايا.
لكننا لا نحاول أن نفرض رأينا على أحد. ولم نعتقد يوماً أن هذه الخلافات تفسد للود قضية، فثمة أمور مشتركة كثيرة هي الأسباب التي من أجلها أقيمت هذه المنظمة الإقليمية».
ثم كانت إضاءة سموه على خطيئة من يظنون أن المال يمكنه شراء كل شيء، وبذلك «ارتكبوا خطأ آخر»، وتبين لهم «أنه حتى الدول الفقيرة لديها كرامة وإرادة، وأنه لا يمكنهم فرض أمور تجاوزها التاريخ».
وعلى الرغم من أن خطاب صاحب السمو جاء في ظل الأزمة العاتية بالخليج، لكن سموه، وامتداداً لدور قطر التاريخي في دعم القضية الفلسطينية، واعتبارها القضية المركزية للعرب والمسلمين، ختم خطابه بالتعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني الشقيق، في هذا الظرف الدقيق الذي تمر به قضيته مع الانتهاكات الإسرائيلية للمسجد الأقصى، حيث استنكر سموه إغلاق أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، معبراً عن أمله بأن يكون ما تتعرض له القدس «حافزاً للوحدة والتضامن بدلاً من الانقسام».
لقد اختار صاحب السمو أن يخاطب الجميع بـ «خطاب العقل والوجدان»، ووصلت رسالته إلى المجتمع الدولي وإلى أطراف الأزمة، بأن قطر مع الحوار القائم على عدم المساس بسيادتها واستقلالها، ومع رفض أسلوب الإملاءات، وأنها مع الوساطة الكويتية، وتثمن جهود صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت الشقيقة، وتقدر المساندة الأميركية لهذه الوساطة، وكذلك المواقف البناءة لكل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وأوروبا عموماً وروسيا.
ولذلك فالكرة الآن في ملعب دول الحصار، وعليها أن تثبت للعالم حقيقة نواياها، وهل هي فعلاً مع حل للأزمة قائم على احترام سيادة الدول ووفق معاهدات ملزمة للجميع، أم أنها تريد تحويل قطر إلى كيان تابع ومنفذ للتوجيهات؟!
وعلى الخير والمحبة نلتقي يا إخوان..
;