آخر الأخبار
الرئيسية / صحافة واعلام / الحقیقة الضائعة :لأول مرة في التاریخ ثورة الجیش ضد أصدقاء رئیس الدولة .

الحقیقة الضائعة :لأول مرة في التاریخ ثورة الجیش ضد أصدقاء رئیس الدولة .

 مصطفى العلوي:

إذا كان المغاربة، ھم الذين سجلوا السبق العالمي في تاريخ منح الثقة لسلاطینھم وملوكھم، وھم الذين احتفظوا على الدولة العلوية منذ تاريخ إقامتھا سنة 1727 إلى الیوم، لیحتفظوا بھا أكثر من الدول السابقة، المرابطیة، والموحدية، والمرينیة، والسعدية، فإن لذلك أسبابا ومبررات، جعلت المغاربة رغم تباعد قبائلھم وأجناسھم، وكثرة المحاولات الانقلابیة التي كانت دائما تطبع بالفشل لتبقى السلطنة والملك، وقفا على واحد من أحفاد ھذه الأسرة المحظوظة، فإن لذلك أسبابا رئیسیة أھمھا اعتبار الملكیة أكبر ضامن للاستقرار، وأكبر عامل لضمان الاستمرار، رغم الھزات التي عرفتھا الملكیة في السنوات التي أعقبت وفاة واحد من أعظم السلاطین، الحسن الأول، الذي جعل عرشه فوق فرسه(…) فسجلت الظاھرة التخريبیة للوزير القوي بجانب السلطان، باحماد، الذي حضر وفاة العاھل العظیم، فتآمر مع أرملة السلطان المیت، على تعیین أصغر أولادھا مولاي عبد العزيز، الذي كان في عز طفولته، عاريا من كل تجربة، لیبقى الأمر بین أيدي أقوى رجل في الدولة، احتفظ بالسلطان الجديد، مولاي عبد العزيز المشغول بالمظاھر اللھوية المستوردة من أوروبا، مثل ”البسیكلیط“ وآلة التصوير، وعندما بدأ ذلك السلطان يستیقظ من سبات الأخطاء الشبابیة التي زامنت بداية الغزو السیاسي والعسكري الأجنبي للمغرب، تسربت إلى المغرب عبر الخبراء الفرنسیین فكرة الأحزاب، على الطريقة الفرنسیة، حیث تشكلت في جنبات القصر الملكي، فكرة ما كان يسمى بالحزب العزيزي، حزب أنصار السلطان مولاي عبد العزيز، والحزب الحفیظي، نسبة إلى السلطان عبد الحفیظ، وكان أول صراع حزبي لیس في مكاتب الأمانات العامة للأحزاب، وإنما في جنبات القصر الملكي، وھو الصراع الذي انتھى بھزيمة السلطان عبد العزيز ونفیه وھو يمسح دموعه(…) كما كتب عنه المعلقون الفرنسیون الذين كانوا حاضرين مرة، وھو يزور في میناء طنجة إحدى البواخر الفرنسیة، ولكن السلطان الجديد، مولاي حفیظ، السلطان الذي كان يخوض حربا في جبال المغرب، وخاصة في الشاوية، حربا ضد الاحتلال الفرنسي، سرعان ما سقطت شعبیته بعد إمضاء وثیقة الحماية، التي رغم إنكاره لإمضائھا، فإنھا أمضیت على أية حال، فتم تعويضه بسلطان جديد أقل حنكة وأقل تجربة، السلطان مولاي يوسف، لتستمر العائلة العلوية في الحكم على أية حال(…) ويأتي محمد بن يوسف، الذي فاجأ الاستعمار الفرنسي بتبنیه لفكرة الحركة الوطنیة التي استلھمت فكرة التحرر من ثورة القطب الريفي، محمد بن عبد الكريم الخطابي، وظھور الأفكار الإصلاحیة في مصر. ومرة أخرى يحاول ھذا الاستعمار نفي محمد بن يوسف، لیختاروا شريفا آخر من نفس الأسرة، محمد بن عرفة، الذي لم يقبله المغاربة، لمجرد أنه شريف من العائلة نفسھا، ولكن لأن المغاربة بقوا أوفیاء لمحمد بن يوسف، محمد الخامس الذي عاد لتأسیس العھد الجديد في تاريخ الدولة العلوية. ولكن الاستعمار الفرنسي خلال الفترة التي سبقت محمد الخامس، نمى في المغرب ظاھرة الرجل القوي في المحیط السلطاني، كظاھرة أساسیة من مظاھر قوة المخزن، فبعد باحماد، ابتدعوا في عھد مولاي حفیظ، المدني الكلاوي، وكان داھیة قويا أشرف على الحكومة المخزنیة، لكن كرئیس للحكومة، لم يستطیعوا بعد وفاته المبكرة صنع الرجل القوي في المحیط السلطاني عبر ظاھرة الرجال الأقوياء المتخفین في صفة صديق السلطان، أمثال المنبھي، صديق السلطان مولاي عبد العزيز، بینما لم يسمح الوقت القصیر لحكم مولاي حفیظ بظاھرة بروز صديق لھذا السلطان الذي انشغل بالصراعات العقائدية مع مناوئیه من عائلة الكتاني، التي فجعت بقرار السلطان إعدام القطب الإسلامي الكتاني الشھید. وطبعا لم يقبل المستعمرون الفرنسیون من السلطان مولاي حفیظ، أن يطعن في أسلوب صديق السلطان، ويؤشر إلى رغبة إصلاحیة، عندما كتب يوما بإمضائه: ((إن من بین الأحوال المزرية التي أصبح المغاربة يعیشونھا من جراء سیاسة السلطان، وفساد بطانته(…) التي ألحقت بالبلاد أضرارا بالغة)) (كتاب مؤسسة السلطان. ظريف). لیحرك الاستعماريون ضد مولاي حفیظ ظاھرة الانقلاب العسكري(…) الذي نظمه كبار الضباط عندما ھاجموه في قصره وھم يصیحون: ((الشكوى وعلیك يا مولاي حفیظ))، وعندما غضب علیھم وأمرھم بالذھاب إلى بیوتھم أجابوه: ((بل سنذھب إلى القشلة ونقاتل، لأننا أتیناك لرفع ظلامتنا وأنت تأمرنا بالاحترام(…) وخرجوا مغتاظین)) (الحركة الحفیظیة. للدكتور علال الخديمي). لیسارع خبراء الاستعمار إلى العودة إلى الظاھرة التي ھي أكثر تأثیرا على السلطان، وھي ظاھرة صديق السلطان، لیراھنوا في محیط مولاي يوسف على صديق السلطان، التھامي عبابو ((الذي كان صديقا للسلطان، لا يفارقه لا في السفر ولا في الحضر، سكن بدار المخزن وشرع يتحكم في كل شيء داخل البلاط، والسلطان يستشیره في كل شيء، بینما كانت علاقة صديق السلطان عبابو متوترة مع الصدر الأعظم، رئیس الحكومة المقري)) (عھد السلطان مولاي يوسف. زين العابدين العلوي): ألا يذكركم ھذا الواقع سنة 1920 بالمغرب سنة 2017؟ إنھا ظاھرة صديق السلطان، التي ھي أقوى مظاھر الھیمنة التحكمیة(…) التي تحددت عبر صداقة الحسن الثاني مع مستشاره جديرة، الذي كان ھو أيضا لا يتفاھم مع رؤساء حكومات الحسن الثاني، وھا ھو رئیس حكومة عصرنا الحاضر، بن كیران، لا يتفاھم مع صديق الملك فؤاد الھمة، الذي أحسن الكاتب المغربي أحمد الصقلي منذ أيام قلیلة عندما كتب: ((الھمة أعلى ھرم في الدولة)) (أخبار الیوم. 17 نونبر 2017.( وھذا السرد المستعجل للمبررات العجیبة لاستمرار الدولة العلوية في حكم المغرب قرونا طويلة، رغم الظاھرة السلبیة للقوة الخفیة بجانب السلاطین، ھي التي عرفت استمرار بعض السلاطین العلويین وتحديھم للحروب والثورات القبلیة، وحتى محاولات الانقلاب التي طواھا التاريخ. ولم يخلف لأجیالنا إلا محاولات الانقلاب التي دبرت ضد الحسن الثاني سنة 1971 وسنة 1972 ،والتي استھدفت كل أصدقاء الحسن الثاني الذين كان يستقبلھم في قصره بالصخیرات، ثم استھدفت كل أصدقائه الذين كانوا يركبون معه في طائرته الخاصة التي كانت تنقله في عودته من باريس، لكن ثقة الشعب في الحسن الثاني، ھي التي ساندت ھذا الملك الفريد المثال، والتي جعلت حكم الحسن الثاني يصمد أكثر من ثلاثین عاما، مثل الفترة التي حكم فیھا السلطان مولاي إسماعیل، رغم أن سلطانا عثمانیا اسمه عبد الحمید، الذي فوجئ شعبه التركي يوما، بأن سلفه السلطان مراد 1876 أصیب بالجنون، فخلفه أخوه عبد الحمید، الذي استمر في الحكم ثلاثا وثلاثین عاما، بینما لا يذكر التاريخ أن أي سلطان آخر في التاريخ الإسلامي بقي أكثر من ثلاثین عاما، لأن أي شعب لا يقبل عن السلطان القوي المصلح بديلا، وھا ھي الملكة البريطانیة إلیزابیث تتربع على العرش البريطاني منذ 1952 إلى الیوم، ولأسباب أخرى، لأن الملكة في بريطانیا لا تتحكم رمزيا إلا في شؤون القصر الملكي، ولا تتحكم لا في حكومة ولا أحزاب. أما ظاھرة أصدقاء الملك، فإنھا تسربت في إحدى الدول الإفريقیة، إلى قلب القارة الإفريقیة، زمبابوي، وقد ھیمن علیھا في عاصمتھا ”ھراري“ جبار أقوى من جمیع ملوك التاريخ الإسلامي، موكابي، وقد ھیمنت أخباره ھذه الأيام على مصادر الإعلام العالمي، بعد أن ثار جیشه بعد أربعین عاما من حكمه الذي قام على أكتاف الجیش الزمبابوي، الذي ساند الرئیس موكابي، وفرض على الشعب الصمت والامتثال أربعین عاما، إلى أن اكتشفت الدولة كلھا(…) أن ظاھرة أصدقاء الرئیس أفسدت حكم موكابي، وأساءت إلى ھذا الشعب ((الذي لم تنفعه الديمقراطیة ولا حرية التعبیر ولا احترام حقوق الشعب))، كما يشھد بذلك الأمین العام للأمم المتحدة، ”كوتیريس“ لأن ظاھرة أصدقاء الرئیس خربت كل ھذه الإيجابیات، فاضطر جیش موكابي إلى الثورة بعد أربعین عاما من الصمت، لینظم لأول مرة في التاريخ، أول انقلاب ضد أصدقاء الرئیس موكابي.