آخر الأخبار
الرئيسية / عالم الثقافة / الرواية المعرفية: رهانات متجددة وخروج عن المالوف…

الرواية المعرفية: رهانات متجددة وخروج عن المالوف…

العالم بريس:

لا يمكن بأي حال فصل الرواية عن المعارف منذ نشأتها وحتى الآن، يتعمق هذا المنحى خصوصا في ظل الثورة المعلوماتية التي وضعت أسسها وشروطها على الأدب، لكنه في الوقت ذاته ثمة اختلالات يمكن ملاحظتها في النسيج الروائي لعدد من الأعمال التي من المفترض أن تتكئ بشكل أساسي على التخييل، من جراء تثاقف أو حشو معرفي قد يقع الروائي في فخه بينما هو يُشكِّل معمار روايته، لا يفصلها عن الكتاب العلمي أو التاريخي سوى ذلك التصدير الذي وضعه في مقدمة عمله لتبيان كونه “رواية” وسوى محاولات طفيفة لاستنطاق الشخصيات “المتخيلة غالبا” والحقيقية أحيانا بما لا تحتمله.

ينوه الكاتب والناقد الأردني رامي أبوشهاب إلى أن الرواية فعل تخييلي في المقام الأول، غير أنها تتخذ خصوصيتها من كيفية المعالجة، أو ذلك البناء القائم على الصنعة التي تجعل من القيمة المحكية ممارسة تناط بالمتلقي كما أشار ميلان كونديرا، موضحا أن فعل التحميل المعرفي يمتلك خصوصية في التمثيل السردي للعالم، فالرواية لا يمكن أن تتحول إلى وثيقة، إنما يمكن أن تكتسب بعدها من خلال الآفاق التي تبحث عنها، فهي في النهاية تعد المنظور الذي يمكن أن نعاين من خلاله العالم، بما في ذلك الأفكار، والتي يمكن أن تكتسب شرعيتها من البنية الملتحمة في المتخيل النصي، وبهذا، فإن قيمة التصنيف ليست هي المشكلة إنما الكيفية التي نرى من خلالها القيمة المعرفية التي نكتسبها من خلال تفكيك بنيات العمل.

ويشير أبوشهاب إلى أن محاولة تكريس الرواية بوصفها رواية فكرية، أو رواية معرفية لا تبدو من الأهمية بمكان، فالتكوين المعرفي للرواية قائم من زمن طويل، بل إننا نكاد نعثر عليه في روايات سرفانتس وفلوبير، وزولا، وديستوفسكي، وغيرهم، وحتى في أعمال نجيب محفوظ التي لم تقدم المعرفة بوصفها هدفا، إنما كانت تؤدي المعاني الإدراكية لحدود بعض المفاهيم التاريخية والفلسفية التي لامسها الإنسان، وفي ظلال القيم الرقمية، والمعلوماتية التي بدأت تجتاح عالمنا الحديث، فالمعلومة أو المعرفة ليست قيمة موجبة، أو الهدف، إنما أصبحنا معنيين بالسبيل السردي، أو المتخيل الذي يمكن أن يضفي على هذا الطرح فيضا من الخصوصية.

ويتابع أبوشهاب “لا شك بأن ثمة الكثير من الأعمال الغربية التي تهدف إلى تكوين صيغة خطابية فكرية شديدة التخصص في السرد، ومنها على سبيل المثال روايات غراهم غرين، وإليزابيث بوين التي حملت في طياتها العديد من القيم المعرفية التي تبدو في وضعية تساؤل، أو تشكك تجاه العالم والمعارف التي نعتقد بصحتها، وهذا ما يقترب من روايات الخيال العلمي، والمغامرة البوليسية، والتاريخية التي تنطوي مجتمعة على قدر غير ضئيل من القيم المعرفية التي تبدو مباشرة للوهلة الأولى، ولكن ما يجعلها فاعلة تميزها بألا تكون مقصورة على النسق الوظيفي بوصفها أداة معرفية، إنما ثمة التكوين التخيلي، أو تلك العناصر التي تجعل من الرواية متعة، وهذا مما يضفي المزيد من التحديات عند كتابة هذا النوع من الأعمال، فعلى الرغم من محاولات بعض الروائيين العرب مقاربة هذا النموذج الكتابي، إلا أنهم في معظم الأحيان بدوا غير قادرين على المزج بين الجوانب المعرفية للعمل ومتعة المتخيل السردي”.