آخر الأخبار
الرئيسية / افتتاحية / مولاي ھشام وحراك الریف : الحقيقة الغائبة..

مولاي ھشام وحراك الریف : الحقيقة الغائبة..

عبد الحميد العوني :

حاضر الامير مولاي هشام بجامعة ھارفارد، حول موضوع: ”معنى العروبة في زمن الثورة“، وشمال المغرب الناطق بالأمازيغیة، بمنطقة الريف، يرفض من خلال قائده، ناصر الزفزافي، أي انتساب لحراكه بالعرب، ومن الغرفة 201 E التي يتابع فیھا ابن عم العاھل المغربي، تخصصه في ”العلمنة والدمقرطة بعد الربیع العربي“، تتأسس المقاربة المختلفة، لكنھا تتفق مع إعلان الملك محمد السادس عن فشل النموذج التنموي الحالي، لأن المشكلة اقتصادية. وحراك الريف، من أكبر التحديات التي تواجھھا الدولة المغربیة، بل يرقى إلى لعب الدور الحاسم في صیغ الاحتجاجات القادمة بالمملكة، وإن استثمرت الدولة میزانیات مھمة في الريف، لكنھا لم تعط ثمارا، لأنھا لم تكن استثمارات معقلنة خاضعة لمخطط تنموي واضح تشرف علیه مؤسسات ذات كفاءة. ومن اللافت أن يقول الأمیر، بأن الزلزال السیاسي، حدث، فیما الخطاب الأخیر للملك، يقول بعدم حدوثه بعد في المغرب، وھو من يقرر ساعته، وسیديره من موقع المبادرة، ولیس رد الفعل. وينفي المشكل الذي يدور حول الاقتصاد، الطابع السیاسي الذي دفع رئیس الحكومة سعد الدين العثماني، بعد خطاب الملك، إلى خلق لجنة لإعادة تنقیح أو تعديل النموذج التنموي للمملكة، لجعله أكثر فعالیة، ويختزل الجھاز التنفیذي والحزبي، الزلزال السیاسي في تعديل النموذج الاقتصادي الجاري به العمل. وأخذت الخطب الملكیة، بعد عزل بن كیران من الحكومة، انعطافة بدأت بخطاب العرش، وجاءت استقالة العماري على إثره من حزب الأصالة والمعاصرة، وبعدھا سقط شباط من قیادة حزب الاستقلال، لیطوي الجمیع الزعامة الحزبیة التي طالبت بإسقاط ”التحكم“، وصار الخوف قويا من مصالحة تاريخیة بین ھؤلاء المستقلین والمبعدين من قیادة الأحزاب الثلاثة الأولى في المملكة. وكان ھذا الاقتراح علنیا من إلیاس العماري، كاد في تحققه أن يعلن انتصار الأحزاب التي فشلت في الوساطة في أحداث الريف وفي قیادة الحكومة، وانتھى تحالف النقابات والأحزاب إلى ”أزمة ثقة كبیرة“ جعلت الشارع يدخل إلى الساحة لتوجیه القرار، وكان على الحكومة الاستقالة لاتھامھا حراك الريف بالانفصال، مما زاد الفجوة بین أحزاب الأغلبیة وساكنة الشمال المغربي، وھي ضربة قاسیة لشعبیتھا، و“الحراك في الأصل، لیس انفصالیا“ كما يقول الأمیر، ولیس مظھرا من مظاھر المزاج الريفي، والمشكل بالنسبة للدولة المغربیة، أن ھذا الملف مختلف عن المشاكل السابقة، لیس مشكلا إيديولوجیا ولا قومیا ولا إثنیا ولا اشتراكیا ولا إسلامیا، ولا يتبنى الطروحات السیاسیة والإثنیة، فینفلت من التصنیف الذي وضعته الدولة للاحتجاجات إلى الآن، مما استدعى تدخل إمارة المؤمنین بقوة في ھذه المرحلة. +++ الأمیر مولاي ھشام مع العلمنة، وبفشل الربیع الحساني (إكديم إزيك) والربیع الأمازيغي (حراك الريف)، طرح الجمیع سؤال الاقتصاد، وأقر الملك بفشل النموذج التنموي الحالي، ووافق ابن عمه على نفس الخلاصة، فیما ارتفعت مظاھر إمارة المؤمنین في افتتاح البرلمان أخیرا، وسبق للسلطات أن اعتقلت الزفزافي قائد الحراك الاجتماعي المحلي شمال المملكة، بجنحة مرتبطة بعبادة، قبل أن تضاف إلیھا اتھامات بمسه أمن الدولة في ھارفارد، يبحث مولاي ھشام في تخصص: ”العلمنة والدمقرطة ما بعد الربیع العربي“، وھذا الربط الجدلي بین العلمنة والدمقرطة، يذھب بعیدا، والمغرب يتحرك كما قالت زمیلته سوزان جیلسون میلر، من جامعة كالیفورنیا، في نونبر الماضي، على نفس الكرسي الذي اعتلاه الأمیر: ”إن المملكة لا تعرف تعددھا الثقافي في إطار الإمارة الإيمانیة، وإن أقرت أن الإيمان الإبراھیمي متعدد“، وفي محاضرتھا تحت عنوان: ”ما بعد الربیع العربي في المغرب: تأملات في التاريخ والتعدد الثقافي وحقوق الإنسان“، ما يفید أن حراك الريف، ناتج عن تاريخ يضرب جذوره إلى عھد عبد الكريم الخطابي، ورافد ثقافي يتمثل في الأمازيغیة، وأزمة لحقوق الإنسان بعد اعتقالات وصلت إلى ما يزيد عن 300 ناشط، والنظرة الاقتصادية للحل، ھروب إلى الأمام لإبعاد طرح سؤال الثروة، منذ الاستقلال إلى الآن، كما صرح شباط على الملإ، وأيضا علاقة العرش مع منطقة الريف زمن محاربة الاستعمار المزدوج: الإسباني ـ الفرنسي. ولا يزال نشطاء الريف حريصین على عدم تسییس موضوع اعتقالھم، أو بناء مطالب سیاسیة لأنھم مدافعون عن حقوق اقتصادية واجتماعیة، وقد استفادوا من تراث وزخم حركة 20 فبراير في الربیع العربي، ومن ”الدياسبورا“ المغربیة، وخاصة الريفیة منھا في أوروبا، ولم يعد ھناك إمكانیة لتشجیع الھجرة كما في النموذج التنموي السابق. وكل ما سیعرفه المغرب في المستقبل، يرتبط بما ستؤول إلیه أزمة الريف، لأن الشباب خرج متظاھرا على المأسسة الفاشلة والإصلاحات غیر المكتملة، لذلك، فحراك الريف لیس ردا على أزمة ما بعد حراك الربیع العربي الذي تعرفه المنطقة. وفي ھذه القراءة التي قدم لھا طارق مسود من سلطنة عمان، والبروفسور في ”ھارفارد“، كینیدي سكول، يلاحظ الأمیر مولاي ھشام كما في مقال سابق في جريدة ”لوموند دبلوماتیك“ تحت عنوان: ”المغرب العربي بین السلطوية وأفق التحول الديمقراطي“، ”أن الاستقرار، ھش وقابل للانفجار أمام أزمة اقتصادية مفاجئة قد تحرك الشارع، خاصة في المغرب“. وقد تتحول الھوية الأمازيغیة إلى مصدر توتر قوي للرد على السلطوية، وھي تدير حالیا التحول الاقتصادي للمملكة، فیما حراك الريف، دفع بالنظام إلى الاعتراف بفشل نموذجه الاقتصادي، وأي تحول اقتصادي سـ ”يجعل الھوية الأمازيغیة مصدرا موازيا للمخزن“. ومحاولة مولاي ھشام دمج المطالب الاقتصادية والاجتماعیة في الريف، وباقي شمال المغرب، ضمن ما بعد الربیع العربي، أسلوب لاحتواء الوضع المتفجر، والعمل على ”المعالجة التقنیة“ للمشكل التنموي في جھات المملكة، وتكون المواجھة في ھذه الحالة، مواجھة مدنیة وعصرية بین الشباب والنظام غیر العادل، لكن حمل المتظاھرين لعلم ”تمازغا“ وعبد الكريم الخطابي، يؤسس لـ ”بديل آخر“، وھو ما تخشاه الأجھزة الأمنیة، وتحاول من بعض التفاصیل البسیطة، تأسیس المخاوف القادمة. ولا تجیب النخبة الرسمیة عن مرحلة ”ما بعد حراك الريف“ و“الزلزال السیاسي“ الذي بدأ ضد الأحزاب في خطاب العرش، وخطاب الزفزافي باسم ”الدكاكین السیاسیة“، وھو ما يقصي أدوات العمل الحالیة، ويدفع إلى حالة الإفلاس السیاسي بعد الاعتراف بالإفلاس الاقتصادي. من جھة، لأن انتقاد الأحزاب متواصل من الإدارة والشعب، ولا نعرف إن كان النظام يعلم أن جروحه العمیقة في المدن الصغیرة والأرياف، يفقده رصیده، حسب نظرية ”لوفو“: ”الفلاح المدافع الأول عن العرش“. والعالم القروي الذي يحوله النیولیبرالیون بشكل جذري، من خلال استراتیجیة أخنوش ”دمروا نظرية البروفسور الفرنسي لوفو“، ومع المقاربة الأمنیة التي رفع صیتھا خطاب العرش، تكون الخسارة السیاسیة مضاعفة، وتتطور بشكل سيء، لأن الأحكام القضائیة ضد نشطاء حراك الريف، قد تزعزع ما تبقى من السمعة السیاسة والقضائیة المتبعة. وبمراجعة أوراق مركز ”ويذر ھید“ التي يتابع فیھا مولاي ھشام سلك ما قبل الدكتوراه، يؤكد مديره، ستیفن بوم فیلد، أن الرؤية العمیقة، لیست اقتصادية لتداخل عوامل التاريخ والثقافة وحقوق الإنسان في الصراعات الجديدة في العالم العربي. وينطبق ھذا التداخل على حراك الريف، فبعده التاريخي الذي اقترح ”الجمھورية“ بديلا عن الاستعمار مع عبد الكريم الخطابي، وبعده الثقافي (الأمازيغیة إلى جانب العربیة)، وبعده الحقوقي (حقوق الإنسان) الذي عوض المقاربة الأمنیة منذ خمسین سنة، أبعاد واضحة دون التطرق للبعد السیاسي بشكل مكشوف. وتحولت الحرب حول الملكیة إلى حرب استراتیجیة بین حلفائھا، حیث يكسر طرف أطراف أخرى في المعادلة، وفشلت الموجة الجديدة، وھي من نخبة النظام التي تجمع بین قرار السلطة والاستقرار، وھذا الصراع من داخل النظام، أدى إلى استخدام تكتیكات قد تفشل معھا الدولة وإن بقي النظام. وفي مقاربة ھاريس میلوناس من نفس الكرسي في ”ھارفارد“، نستخلص أن العالم عاش أربع موجات ما بعد الشیوعیة، ونعیش حالیا الموجة الرابعة، وفي الموجة الثالثة، سقط بن علي في تونس ومبارك في مصر وصالح في الیمن وباكییف في قارغیزستان. وقد تكون نماذج دموية في الانتقال كحالة رومانیا في شرق أوروبا، ويواجه المغرب إما مرحلة ما بعد الربیع العربي، أو الموجة الرابعة التي ستسقط أنظمة جديدة. واصطف الأمیر مولاي ھشام إلى جانب الملك المغربي في إعلان فشل النموذج التنموي والاقتصادي في المملكة، وإكمال الإصلاحات، وفي مقدمتھا الجھوية لتجاوز الأزمة، لكن ھذا الاتفاق في المقاربة والحل بین الملك محمد السادس وابن عمه الأمیر ھشام، يضاعف الانقسام الذي دفع بالأمیر في محاضرته الأخیرة، إلى تعريف الموجة الديمقراطیة الرابعة في فترة ما بعد الربیع العربي بـ ”العروبة“، بعیدا عن التعصب العرقي، كما نظر لھا میشیل عفلق، فكانت الثورات العربیة في خمسینیات وستینیات القرن الماضي، متلازمة مع الانقلابات العسكرية، وشحن العروبة بالقیم الديمقراطة كي لا تكون موازية للبعثیة، وباقي التیارات القومیة، خیار استراتیجي عند البعض، أي أن إفراغ العروبة من الديكتاتورية العسكرية ودمقرطة قیمھا من خلال إحیاء المنظومة الحضارية التي شملت ”البربر“ (باستخدام الأمیر)، والیھود المسلمین، وباقي مكونات الخارطة العرقیة الطائفیة والدينیة في المنطقة، يعد تطورا، لكن النظرة الأمريكیة إلى أكراد سوريا في ما يدعى ”قوات سوريا الديمقراطیة“ تتجه إلى دمقرطة الأقلیات في الوطن العربي، فیما تقترح روسیا دمقرطة العروبة بعلمنة وفدرلة الدول الموجودة، للوصول إلى خارطة جديدة ومتوازنة. ويدفع مولاي ھشام إلى انخراط الأمازيغ في ”العروبة الديمقراطیة“ والموجة الرابعة لإنشاء نظام إقلیمي وجماعي متقدم لحقوق الإنسان. وحسب ھذه المقاربة، يجب أن يذوب ”أنصار إفريقیا“ في المؤسسة الحاكمة، وأنصار ”التیار الأمازيغي“ غیر الثقافي، ولا يعتقد المراقبون بإمكانیة انتقال المصالحة السريعة للعروبة والثورة إلى مصالحة شعوب الشرق الأوسط وشمال إفريقیا مع الديمقراطیة، فالمشكل، ھو أن النظام يھندس، والشعب يثور. وبین ھندسة النظام وثورة الشعب، تدور المصلحة الاجتماعیة بین الموالاة والمعارضة، واضطر الملك إلى إعلان فشل ”النموذج التنموي“ الحالي، لأن الحكومات لا تصنع نماذج، والأحزاب تطبق ما قررته مراحل ھذا النموذج. من جھة، أنھى الملك النموذج التنموي في الصحراء ـ الأقالیم الجنوبیة ـ وقال أخیرا بفشل النموذج التنموي المغربي، وحاول الأمیر ھشام من جھته، أن يعالج مشكل الريف من خلال ”إدارة ما بعد الربیع العربي“، ومن زاوية اقتصادية، كي لا يتحول البعد الأمازيغي إلى مشكلة إثنیة، وقد يضع المملكة في مواجھة بركان، تبحث أطراف على تجذيره من خلال عدم طي صفحة الريف بالعفو الملكي. ھذا التواطؤ بین المعتقلین والنظام على الحقوق الاقتصادية والاجتماعیة والثقافیة، يفید عدم انحراف مطالب الشارع، ويكون الزفزافي قد خدم سیاسیا النظام الحاكم، لأن الصراع، رغم جسامته، مؤطر، وتحاول أطراف اتھام المطالبین بحقوقھم الاقتصادية بـ ”الانفصال“.