الصرخة

عبد الكريم ساورة:

سعاد، أستاذة التعليم الابتدائي رفعت مكبر الصوت في إحدى الوقفات الإحتجاجية وقالت بنبرة حزينة :

أشعر بإحساس غريب، بدأت أفقد الثقة في كل شيء، ماذا حدث ؟ ماذا حدث لنا حتى فقدنا البوصلة بشكل رهيب؟ لماذا أصبحنا نعيش هروبا جماعيا من قضايانا الحقيقية ؟ لماذا تخلصنا من كل شيء جميل فينا ؟ لا شك أننا فقدنا كل اتصال بذواتنا ؟

هل يمكن اعتبار هذا  البوح نوع من المناجاة ؟ هل يمكن أن نعتبر الأمر صرخة بعد فوات الأوان ؟ أم لايخرج الأمر عن بكاء الضعيف ؟

هذه الأسئلة تجيب عنها سعاد من خلال تجربة صغيرة عاشتها بكل جوارحها، اعتقادا منها أن التغيير يمكن أن يصنع في رمشة عين، وأن النتائج الباهرة يمكن أن تتحقق من خلال مجموعة من الوقفات الاحتجاجية وبعض الاعتصامات بمقرات المديرية، لكنها اصطدمت بجدار سميك، بواقع قاس ومر، لايلين ولا يخضع ولاينهزم. اكتشفت أن الهزيمة لم يكن عمرها في تلك المحطات النضالية الصغيرة بل يمتد عمرها لسنوات طويلة مرت ربما في غفلة منها أو ربما بجهلها لتقاليد النضال.

سعاد، حصلت على شهادة البكالوريا في علوم الرياضيات، من أسرة محافظة، من المدرسة إلى المنزل ومن المنزل إلى المدرسة، كان يوصيها والدها صباح مساء بالاهتمام فقط بدروسها، ولاتلفت إلى شيء آخر، كان يقول لها بحزم :” المعدلات العالية هي التي تصنع مستقبل الإنسان في هذا البلد، وكل الأشياء الأخرى في الحياة هي مجرد تفاصيل تافهة ” لهذا ندرت حياتها الدراسية للغة الأرقام، وفي كل مرة تتذكر وصية الوالد عندما كان يقول لها ” الرياضيات قلب العلوم كلها ” .

دخلت مبكرا في تحد مع نفسها، وضعت ” الفولار ” على رأسها مبكرا، وحفظت كل الأدعية التي تجنبها الشيطان، ورسمت لنفسها طريقا كلها محكومة بالأرقام والحساب. وفعلا كانت كما أراد الوالد، سيدة الميدان بامتياز، تتفوق على الجميع، حتى ,والدها تفوقت عليه، في كل ما كان يوصيها من وصايا، تخص اللباس المحتشم، والرفقة المنضبطة، واستغلال الوقت في الدرس والتحصيل، وقضاء ماتبقى لها من وقت بعد مغادرتها المؤسسة التعليمة في البيت في إنجاز الفروض وزيادة التحصيل، لقد تحولت كالوحش الذي يلتهم كل شيء يجده في طريقه.

كانت سعاد الرقم الأصعب في كل المحطات الدراسية، فهي الأولى بدون منازع، والأولى على صعيد مدينة مراكش في مادة الرياضيات، والدها شعر بإحساس مختلف، بطعم النصر، لقد عوضته عن فشل أختيها اللتان كانتا في مستوى جد متوسط، كما عوضت الوالد نفسه والذي كان مدرسا وكان يشعر دائما بالدونية أمام أصدقائه الذين اشتغلوا بعيدا عن عقوبة المدرسة ومتاعبها المستمرة.

كل ماكانت تطلبه سعاد، تجده رهن إشارتها، فهي فأل خير على الوالد والأسرة، وبفضلها أصبح اسم الوالد يتداول بين الجميع، لقد رفعت رأسه عاليا، عاليا أكثر مما كان يتصور. لقد حققت أمنيته التي كانت تحفر في أعماقه…يا الله هكذا الإنسان لايتوقف في مواجهة نفسه وفي مواجهة الآخرين معتقدا أنه يصنع البطولات، وأخطر شيء هو أن يعتقد أنه مايقوم به في حياته وحاربَ من أجله هو الصحيح والأسلم والصائب، لكن مع مرور الأيام يكتشف فجأة أنه كان يطارد خيط دخان.

اجتازت سعاد البكالوريا بكل سهولة، صادف نجاحها إحالة والدها على التقاعد وبنصيحة من أحد أصدقائه والذي حثه على إلحاقها بمراكز التكوين للتربية والتعليم وهي فرصة لتحصل على وظيفة تساعده على أعباء الأسرة وفي نفس الوقت تتابع دراستها في إحدى الجامعات في التخصص القريب من ميولها، رفضت سعاد رغبة والدها بشدة وكانت هذه هي أول مرة ترفض طلبا لأبيها، لكن أمام إصراره وقسوته وتجميل الفرصة لذيها، وافقت عن مضض، واعتبرت الأمر قضاء وقدر.

كان التعيين مفاجئا ومخيبا لأمالها، ولأول مرة في حياتها ستغادر المنزل وهي وحيدة، وفي سن مبكرة، لاتعرف من الحياة سوى مالقنه إليها والدها، حياة بطعم مختلف، أشياء جديدة لأول مرة تلتقي بها وتقابلها كأنها قادمة من كوكب بعيد.

كان الوالد يتكلف بكل شيء، بداية بالتنقل خصوصا وقد عينت سعاد بمنطقة نائية وبعيدة عن مدينتها بأكثر من مائتين كيلومتر، والبحث عن كراء بيت يناسبها، و مع  مرور الوقت وبتوصيات أبيها التي كانت تترجمها حرفيا تجاوزت كل العواقب والمنعرجات، لم تكن محظوظة ولكن كانت صارمة في تطبيق ماينبغي العمل به بكل إخلاص وتفان وتحدي بشكل رياضي محض(من الرياضيات).

فقدت سعاد كل اتصال بالعالم الخارجي، أو بالأحرى بالعالم المتحرك، لأنها كانت تقطن بنفس الدوار الذي توجد به المدرسة والتي تفتقد إلى كل شيء، الماء والكهرباء، والصرف الصحي، والمدير الذي كان لايزور المدرسة إلى خلال يوم السوق، وحده صوت الأذان وبعض الأهاجيج الموسيقية لبعض فتيات الدوار من كانا ينعشا أُدُنَ سعاد في وحدتها.

كان الزمن بطيئا، والحياة رتيبة، خلال السنوات الأولى، عرفت فيها أن هناك حياة أخرى، وأناس يعيشون حياة بدائية، أكلهم ولباسهم وتقاليدهم ومجالسهم وحفلاتهم وأفراحهم وأحزانهم تختلف اختلافا جوهريا عن طقوس وصخب مدينتها مراكش. شعرت بالفرق الكبير بين المدينة وبين القرية رغم أن الزمن واحد، واكتشفت أن عالم الرياضيات الذي كانت تقدسه بتوصية من أبيها والذي كانت تَحُلُ به جميع المعادلات، لايمكن أن يحل عقدة هذه المعادلة الصعبة والمستحيلة في آن واحد.

لأول مرة بدأت تسأل الأسئلة من قبيل : لماذا كل هذا التفاوت المجالي والطبقي؟ لماذا يعيش هؤلاء بمعزل عن الآخرين في كل شيء ؟ هل يمكن إدراج هؤلاء من المغضوب عليهم ؟ ورجعت إلى عادتها القديمة وقالت : ألايمكن اعتبار هذا العيش غير الكريم قضاء وقدر مثل ما حدث معها في تعيينها ؟

مع توالي السنين، بدأت تتعلم قوانين الواقع وفهمت ماهو طبيعي وماهو مفروض وأدركت أن التدخل البشري حاضر في كل شبر من الأرض، وأن معادلات الصراع والتمكن والتسلط والتحكم هما الفرضيات الرياضية الحقيقية التي تؤسس لكل وجود مجتمعي، أدركت أن الثروة هي محور كل هذه المعادلات.

مرت سبع سنوات، كانت كافية لتعرف سعاد كل صغيرة وكبيرة بالمنطقة، أصبحت خبيرة بشؤون الأهالي، فهي من تقرأ لهم رسائلهم وهي من تنصح الفتيات اللواتي كن يغادرن المدرسة في سن مبكرة من أجل الزواج، كيف تعامل زوجها ليلة الدخلة، و السهر على خدمة والديه وإخوانه وأخواته، وهي من تتكفل  بنقل مايهمهم من أخبار المدينة وجديدها في الأكل واللباس والأعراس، لقد أصبحت واحدة منهم بحكم انضباطها ومروءتها، مرجعهم داخل أسوار المدرسة وخارج أسوارها، إنها كاتمة الأسرار المفرحة والمؤلمة للجميع.

قضت عشرون سنة في نفس المكان، نفس الوجوه، ونفس الطقوس، كأن لاشيء تغير بهذه المنطقة، وكانت في كل مرة تتساءل مع نفسها : لماذا الناس لايتغيرون ؟ لماذا يتتشبتون بكل شيء يرجع بهم إلى الماضي ؟ لماذا يتصارعون كل سنة على الماء والأرض وعلى الأشجار بحق أو بدون وجه حق ؟  لماذا يقدسون هذه الأشياء أكثر من تعليم أولادهم وبناتهم ؟

كانت تشارك في الحركة الانتقالية كل سنة، لكن دون جدوى، فكانت لا تجد سوى العزاء من طرف نساء القرية، اشتد عليها المرض فجأة، كانت تشكوا من ألم في الرأس، طلب منها الطبيب ألاتفكر كثيرا ولا تغضب كثيرا، لأن القلق من المستقبل كان إحدى مشاكلها الكبرى بعد أن اقتربت من سن الأربعين وهي لم تجد جِدِيا من يطرق بابها ليطلبها للزواج ، وإن وجدت أحدا، لإن أول مايشترطه هو التنازل عن راتبها الشهري.

مع مرور الوقت، قررت سعاد أن تلتحق بإحدى التنظيمات النضالية للحركة الانتقالية، ومع أنها لم تكن لها تجربة سابقة في لا في مجال النضال السياسي أو النقابي ، لكنها دخلت غمار التجربة بكل جوارحها، كانت في كل وقفة ترفع الشعارات القوية….تصرخ .. تصرخ بقوة، كأنها تريد أن تبلغ رسالة مشفرة لمن يهمهم الأمر.

أصبح إسم سعاد معروفا بين مناضلي الحركة، فكانت تتزعم كل الوقفات، وتقوم بالتعبئة في كل الأوقات، وهي تردد دائما ” ماضاع حق وراءه طالب ” لكن مع مرور الوقت، بدأت تشعر بفتور يدب في جسم الحركة، بعدما بدأ ينسحب الواحد بعد الآخر لأسباب تافهة، عند ذالك فهمت أن النضال مجرد فسحة يقوم بها هؤلاء المطالبون بتصحيح وضعية التعليم وأعطابه الكثيرة .

توارت إلى الوراء، بعدما شعرت بإحباط كبير، انعزلت كليا عن كل أوجاع النضال، وعن كل ما يربطها به، كانت تقضي معظم وقتها في التفكير و هي تتذكر أقوال أبيها وما كان ينصحه بها من قبيل ” المعدلات العالية هي التي تصنع الإنسان…” وهي تقول مع نفسها: ” أين ذهبت كل تلك المجهودات، كل تلك الأرقام العالية ؟ أين ذهبت ؟ …كانت تتذكر كل شي وهي تزداد تأزما وألما في رأسها.

ذات صباح وهي تلقي الدرس، بدأت تصرخ، تصرخ بقوة، وهي تقبض على رأسها بقوة كأنه يريد أن ينفجر، وماهي إلا دقائق حتى سقطت، كما يسقط نجم من السماء… بكاء وعويل قوي لاح من القسم….سعاد ودعت الحياة.