الرئيسية / أخبار وطنية / “الخطر الأصفر” نقل تلاميذ أم بضائع مدرسية؟

“الخطر الأصفر” نقل تلاميذ أم بضائع مدرسية؟

جواد مبروكي:

مع بداية كل عام دراسي ألاحظ طرق المدينة مزدحمة بحافلات صفراء للنقل المدرسي تتسابق وكأنني أشاهد فيلم “مادْ ماكْسْ” وقليل منها من تحترم قوانين السير بل تتحرك بشكل خطير وبدون أدنى تأني “بالزّْرْبَة وْ اللّْهْفَة” وكأنه يوم القيامة  أو فيلم “أبُكَلِبْسْ نَاوْ”.

   والأخطر من هذا وذاك هو التعامل مع التلاميذ عند استقبالهم بناقلات “الخطر الأصفر” حيث أراهم عبر النوافذ كأنهم دواجن تسعى للنجاة! وكثيراً ما أشاهد حافلة “النقل الأصفر” وهي تقف أمام مدخل عمارة  بشكل فوضوي معرقلة حركة السير حيث يُفتح الباب الخلفي وفجأة تظهر امرأة بوِزرة بيضاء كأنها “كْرِسورْ دْلْكيرانْ” بدون أي بشاشة وتصرخ “يا الله فِسَّاعْ” وأرى “البضاعة المدرسية” تتجه إلى “الكْرِسورْ” دون مساعدة أو حماية من أخطار الطريق وعلى عكس هذا تنحني “الكْرِسورْ” وتأخذ الطفل من ذراعه وترفعه كالبضاعة لتلقي به داخل مركبة “الخطر الأصفر” ثم تغلق الباب وينطلق “مادْ ماكسْ” على التو بدون انتظار جلوس التلميذ.

   إذا كان دور المدرسة تزويد التلميذ بالعلم والمعرفة فدورها كذلك تعليمه احترام نفسه واحترام الآخرين وتزويده بالنماذج الحضارية والمدنية ليكون مواطنا صالحاً بناءً ومسئولاً. فكيف لتلميذٍ يرى نفسه “بضاعة مدرسية” أن تنمو لديه شخصية متزنة ناضجة ويشعر بأنه شخص لديه كرامة معترفٌ بها من مدرسته حتى يتمكن بدوره من حبِّ المعرفة. 

فيا ترى ما هو شعور الطفل المغلوب على أمره أثناء نقله داخل ناقلة “الخطر الأصفر” وما هي النماذج التعليمية التي يتأثر بها من المنزل إلى المصنع المدرسي؟

1- “مادْ ماكْسْ” السائق “النموذج التربوي” الماهر: 

   “مادْ ماكْسْ” يجهل ما يقع داخل مركبته لأن همُّه الوحيد في كل صباح هو جمع البضائع المدرسية بسرعة الضوء ليوصلها في الموعد المحدد إلى المصنع المدرسي وبعد الزوال إعادة توزيعها على مساكن أهلها في أقرب وقت ليحط “الصاروخ الأصفر فْالبارْكِينْكْ” ويلتحق بأصدقائه بالمقهى. فكيف يرى الطفل “مادْ ماكْسْ” و كيف سينتفع منه؟ 

“مادْ ماكْسْ “سائقٌ آلي” لا ينظر إلى البضاعة المدرسية لأن دوره هو السياقة فقط!

 “مادْ ماكْسْ” لا يبتسم مع البضاعة المدرسية ولا يعبر عن احترامه لها!

“مادْ ماكسْ”  ليس  لديه “أبْلِكاسْيونْ” “ابتسم” و “صباح الخير” و “بْسْلامَة أبْنْتي”!

“مادْ ماكْسْ” لا يرتدي “كوسْطارْ وْ قْمْجَّة بيضاء وْ كْرَفاطْ” وليس من مهامه أن يكون مثالا للأناقة والجدية للطفل بل و ليس لديه العلم بأن الزي النظيف والأنيق هو تعبير على احترام الذات واحترام من نتعامل معهم!

  “مادْ ماكْسْ” يهتم بتعليم البضائع المدرسية نموذج السياقة الماهرة “الزّْرْبَة وْ القْفوزِيَّة” والتحايل على قوانين السير!

  “مادْ ماكْسْ” يُعلم البضائع المدرسية التعامل مع الراجلين باعتبارهم أقل قيمة من الذباب ومع بقية السائقين “كِفاشْ يْفوتْ قْبْلْهُمْ          وْ يْقولْبْهُمْ”!

2-  “الكْرِسورْ” “النموذج التربوي” الرائع: 

  هذا النموذج يُدمَّرُ لدى الطفل الشعور باحترامه كشخص أدامي وأنه “أمل الغد” حين يرى “الكْرِسورْ” مكتئبة لأنها مضطرة أن تقوم بهذا الشغل وراتبها مُهين جداً و هي في معظم الأحيان مجردة من ادنى حقوقها المهنية (مثل الضمان الاجتماعي) فيختفي لديها العطف والشعور الإنساني وتتعامل مع الطفل كبضاعة فقط .  التلميذ “مَكَيْسْمْعْ مَكْيْشوفْ لا تْبْسِمَة ولا صْبْحْ الخير ولا لَباسْ أبْنْتِي نْعْسْتي مْزيانْ…”. وهكذا يتأثر الطفل بهذا النموذج التربوي الخطير والذي يُزوده بوقود كراهية نفسه وكراهية “الكْرِسورْ” وكراهية المعرفة. بالفعل تنتج هذه المصانع المدرسية بضاعة بشرية مُحطمة الشخصية مُنتهكة الكرامة فكيف لها أن تبني التطور المجتمعي السليم؟

3- التلميذ “بضاعة مدرسية” وقلقه المزمن:

   بعد عنائه بالليل من الفروض المدرسية التي أعتبرها انتهاكاً صارخاً لحقوق الطفل و”تعذيباً مدرسياً مُبرمجاً” يصعب عليه الاستيقاظ في الصباح لأنه نام متأخراً علماً أن نمو دماغه الطبيعي يتطلب منه أن ينام مع الثامنة مساءً! وفي كل صباح يسمع أمه تصرخ وتكرر بدون انقطاع “هَوَّ جايْ الطّْرَنْسْبورْ، هَوَّ غَدي يْمْشي عْليكْ، يا الله فِسَّاعْ”. ويزيد من قلق التلميذ المسكين أنه عندما  يخرج من بيته يرى و يسمع “الكْرِسورْ” تصرخ “يا الله زْرْبْ مالْكْ تْقِيلْ راكْ مْعْطّْلْ”. والأخطر من هذا هو أن بعض “التلاميذ- البضائع” تبدأ رحلة شحنهم قبل غيرهم في بداية مشوار “الخطر الأصفر” ويمضون أكثر من نصف ساعة  بداخله “كَيْتْمْخْضْ دْماغْهُمْ بْحالْ الأومْليطْ” مع ثلاثين مرة من التوقف على الأقل لجمع البضائع المدرسية الباقية. فكيف سيصل الطفل إلى القسم بعد كل هذا القلق و التعذيب؟ لا داعي لأذكركم بأخطار هذا القلق التعذيبي المزمن على صحة الطفل وأترككم تبحثون عنها بأنفسكم عبر المصادر العلمية والمتاحة على النت.

في الختام نتساءل عن هدف “مادْ ماكْسْ و الكْرِسورْ و المصنع المدرسي” ؟ هل هو فعلاً بناء مجتمع الغد، مجتمع يسوده الاحترام التام والمواطنة والنظام والحضارة الراقية؟