آخر الأخبار
الرئيسية / عالم الصحافة / عندما يتحدث وزیر الداخلیة عن ھیبة المخزن….

عندما يتحدث وزیر الداخلیة عن ھیبة المخزن….

 مصطفى العلوي:

 عندما كان وزیر الداخلیة، السي لفتیت، ینصب الوالي الجدید للرباط، المھیدیة، كان الحاضرون من منتخبین وأطر وحزبیین، یتبادلون بین أناملھم، ”واتسابات“ عن ملیاردیر بوسكورة، الحواص الكبیر، وھو یرقص بقالب عندما كان وزیر الداخلیة، السي لفتیت، ینصب الوالي الجدید للرباط، المھیدیة، كان الحاضرون من منتخبین السكر على رأسھ، بینما توصل واحد من الحاضرین بـ ”واتساب“ آخر من الصحفي مصطفى الفن، كتب فیھ معلقا على الحواص والسبعة عشر ملیارا: ”سرقوا فأكلنا ونسرق فیأكلون“. ھنا أطلق وزیر الداخلیة الجدید العنان لمھامھ لیذكر الحاضرین ((بحتمیة حضور وھیبة الدولة، لأن ھیبة الدولة مرتبطة بھیبة ممثلیھا)) علما بأن حواص الملاییر كان من بین ممثلي ھؤلاء المھابین(…) في البرلمان. شيء یبعث على الغثیان والتیھان، لأنھ صورة طبق الأصل للأسلوب المخزني، كما كان العمل جاریا بھ قدیما، وكما نرى أنھ یجري حدیثا (انظر الصورة)، ونحن المتعودون على الھیبة، نتیھ قلیلا في حلقة الیوم لـ ”الحقیقة الضائعة“ في نموذج من نماذج الھیبة منذ زمن المخزن. من جملة الأسرار التي تم إخفاؤھا عن الرأي العام المغربي، تفاصیل ضخامة المخزن، وتجاوزات أسالیبھ، لتتحول إلى مصاعب للسلطان نفسھ، وحیث أن أقطاب المخزن، وعلى رأسھم أقرب الناس وأكثرھم تأثیرا على السلطان، صدیق الملك، مستشاره، أو حاجبھ، فإن مصالح ھؤلاء المقربین، لا تكون في علم السلطان، وعندما یكتشفھا، لا یستطیع مواجھة أحدھم بھا.. لتتحول ھذه التراكمات السریة عند السلطان إلى عقدة نفسیة، لدرجة أن المؤرخ الذي عایش الفترات الصعبة في صراع الأخوین، مولاي حفیظ ومولاي عبد العزیز، الإنجلیزي ”ھاریس“ حكى في كتابھ: ((كنت أنا والسلطان مولاي عبد العزیز، خارج أسوار المدینة، نصارح بعضنا، فقلت لھ: إن المشكل ھو أن أوامرك لا تنفذ، فأجابني: ولكنني أمیر المؤمنین، فأجبتھ وأنا أعرف أن كل ھؤلاء الناس مؤمنون.. فأحنى رأسھ مفكرا وھو یقول لي: بصراحة، إنك لا تعرف أنني تعبت جدا من ھذه المسؤولیات، ومن السلطنة، ثم أخذ یذرف الدموع)) (ھاریس. أیام السلاطین). لأن أسلوب المخزن، بعیدا عن النصوص وقبل الدساتیر، كان عبارة عن دولة داخل الدولة، لكنھ دولة أقوى من الدولة، ولكن كل سلطان یجد في المخزن وسیلة للحكم، والتحكم، خرقا لجمیع القوانین. ولم یكن الحكم في الفترات ما بین السلاطین، الحسن الأول 1880 ،والحسن الثاني 1961 ،ولا حتى في أیامنا ھاتھ، وھا ھم كل المقربین من المخزن، یربطون طریقة الحكم بالتحكم – مھما أنكروا- بمعنى أن المفوضین من طرف السلطان، باحماد، أو المنبھي، أو اعبابو، أو جدیرة أو البصري، ولا حتى فؤاد الھمة، بمعنى أنھم ھم كل شيء في الدولة، فقد عرف تاریخ المخزن، حول ھؤلاء الأقطاب، جموعا من الأعوان، وزراء وقیادا وضباطا وقضاة، وكبارا من الموظفین، وحتى صغارا منھم، یعیشون على ھامش الأقطاب الكبار، ویعتبرون أنفسھم أقطابا كبارا، ھم أیضا. وقد توسع الكتاب الفرنسیون على الخصوص، والإنجلیز كما ھو حال ھاریس، الذي كان بنفسھ یضرب الأمثال بالصدیق الإنجلیزي للسلطان ”ماك لین“ النبیل الإنجلیزي الذي كان یعتبر نفسھ بالجلباب والرزة، خلیفة للسلطان، وكان یحكم منطقة طنجة مكملا للاحتلال البریطاني في جبل طارق، مثلما كان في المحیط السلطاني، عجوز جبار یسمى محمد الطریس، خبیر في مجال الكذب ومجاملة السلطان، لدرجة أن المؤرخ الاستقلالي، عبد المجید بن جلون، في كتابھ: ”جولات في مغرب أمس“، سجل أن ھذا الطریس، لما سمع بانتصار السلطان مولاي حفیظ على أخیھ مولاي عبد العزیز: ((دخل المستشار الطریس عند مولاي عبد العزیز، الذي سألھ عن موعد إبعاده نحو المنفى، فقال لھ الطریس: ھذه مجرد إشاعة، والإشاعة تحتاج إلى تأكید))، الطریس ھذا، ھو صاحب المقولة التي ارتبطت بھ كقاعدة للسیاسة المخزنیة: ((میزات الكذب على الرأي العام، أن كذبة واحدة تكفي لأن تشغل أروبا كلھا سنة كاملة، وعندنا خزینة ملئى بالأكاذیب)). لم یكن في المحیط المخزني في الشمال، العجوز الطریس وحده الذي عایش مرحلة الاحتلال الفرنسي والإسباني للمغرب، فقد ورث الأرشیف المغربي منذ أیام السلطان مولاي عبد الرحمن (1822 – 1859:( ((إنھ عندما كانت أجرة وزیر الخارجیة لا تتعدى سبعین فرنكا في الشھر، كان وزیر الخارجیة یسمى بركاش، فظھر في الشمال شخص تطوع لیكون وزیرا للخارجیة بدون أجر، واسمھ، محمد الخطیب، فعینھ السلطان انطلاقا من أن المرشح غني، لیظھر من بعد أن وزیر الخارجیة الجدید، كان قطبا من أقطاب التھریب ما بین طنجة وجبل طارق، وعندما استدعي لتسلم مھامھ، علمھ رجال السلطان أصول المھنة، مھنة وزیر الخارجیة، وھي أن یكون خبیرا في التأخیر، فعندما یطالبھ قناصل الدول الكبرى بشيء، فعلیھ تأخیرھم ما أمكن، حتى یملوا ویتنازلوا، وأما عندما یھددوا بالحرب مثلا، فإنھ یجب التنازل عن التماطل)) (كتاب المغرب. إدمون دوا أمسیس). وكان المرحوم عبد الھادي التازي، السفیر الكاتب، قد تحدث عن شخصیة مغربیة تسمى عبد السلام التازي، كان یتكلم الإسبانیة والإنجلیزیة، عایش الباحث الفرنسي ”ویزبیرغر“، وكان مشھورا بأنھ یواظب على تدخین السیكار الكوبي حین كان أمینا لمال الدولة المغربیة، وأراد یوما أن یدفع تعویضا لعمل قام بھ ”ویزبیرغر“ فدفع لھ أجره، وكان المدفوع أكثر من المطلوب، لیرد لھ ”ویزبیرغر“ الزائد، فیقول لھ الأمین التازي: ((لا، ھذه عادة المغاربة، فإننا ندفع أكثر من المطلوب)) (العلم. عدد 1995/11/26.( تقالید المخزن وأصولھ، منطلقة ومرتبطة دائما بالمصالح المالیة، وتكمن عظمة أقطاب النظام، في المصالح المادیة المرتبطة بھا، وإذا كانت غایة المخزن ھي الكسب، فإن میزتھ ھي الأداء. َمة“، ورأسمال المخزنیة الأساسیة، ھي ما كتبھ الفرنسیون عنا مرارا بالحروف اللاتینیة التي تعني ”الكلْ مة، التي مة ھي أول تفویض من المخزن لرجال المخزن، یكون الرجل لا یساوي شیئا، وعندما تعطیھ الكلْ الكلْ مة تمنع من مة، التي كان المغاربة یقولون عنھا: ”إن الكلْ تعني النفوذ، فإنھ یستغني، وكل حاصل على نفوذ الكلْ الشیخوخة“، فإن صاحب الكلمة، یعمل لیل نھار لیقترب من السلطان، وعندما تحصل المعجزة ویصبح صاحب مھمة یقوم بھا الأجانب الراغبون في التعامل مع المغاربة، ھي رشوة الأقویاء وكل من لھم نفوذ)) (مذكرات الكلمة من المقربین للسلطان، فإنھ یستغني ویعرف أن ثروتھ تضاعفت، خصوصا وأنھ ((في المغرب، فإن أول بییر راوول سنة 1888 .رسالة إلى ابن العم). المغرب لحدوده الطبیعیة، في إطار المخطط الذي تحول إلى اكتساح لأطراف المغرب من طرف القوات ورغم أن الرشوة، كما وصفھا الكاتب ”راوول“ في مذكراتھ سنة 1888 ،إلا أنھا ھي التي كانت سبب فقدان الفرنسیة في إطار مفاوضات واتفاقیات أمضیت حتى قبل إمضاء عقد الحمایة سنة 1912 ،ففي سنة 1901، أمضى الوزراء المغاربة، بن سلیمان والكباص، الذین تنازلوا مقابل المال عن ثلاث قبائل مغربیة: ولاد جریر، وذي منبع، والقنادسة، كما نصت على ذلك اتفاقیات مكتوبة تنازلوا بمقتضاھا عن الأطراف المغربیة في شرق المغرب وجنوب شرقھ، وحتى في سنة 1912 ،كتب معارضو السلطان مولاي حفیظ ((اعلم أن الإمام الأكبر(…)، لا یھتم الیوم إلا بجمع المال وبیع الوظائف)) (الحركة الحفیظیة. علال الخدیمي). كما أنھ لم یبق سرا، أن اتفاقیة الحمایة، ارتبطت وثائقھا بمذكرة ((تتعھد فیھا فرنسا بضمان وضعیة لائقة بشخص السلطان، تعھد فیھا السفیر بوضع 500 ألف فرنك حالا في البنك المخزني تحت تصرفھ، وإعطاء التسھیلات لجنابھ الشریف في عقد سلف یكون معدا لأداء ما تحملھ جنابھ في صوائر المحلات السعیدة(…)، وتجعل الدولة الفرنسیة تحت نظر السلطان، قدرا من المال مبلغھ خمسمائة ألف فرنك)) (نفس المصدر). ولكن ھذا المخزن الذي رسم لھ أھل الفكر والمكر، ظروف التعامل الذي كان یتناسب مع ھمجیة الشعب المغربي، المعروف بطباعھ المتمردة، كان حریصا على أن یقدم لھذا الرأي العام بین الفینة والأخرى، نماذج، بل أقطابا من أقویاء المخزن، لیرمیھم في الشوارع تحت أنظار الرأي العام تكریسا لقاعدة الصعود والنزول. ویسجل التاریخ الذي كاد یوجز الفترة المخزنیة في المغرب بخیرھا وشرھا، صفحات غزیرة تتحدث عن طریقة التنكیل بأقطاب الدولة، أقطاب المخزن إذن، عندما یتعرضون لغضبة السلطان، أو یرتكبون خطئا یحرك غضب الرأي العام، وتعوض عبارات صاحب السعادة، والفقیھ المحترم، بكلمات النجیس بن النجیس من قبیل فیؤتى بھ ((وھو ركن الفساد، الطاھر بن سلیمان في قفص من حدید، وأحرق بھ مع حزبھ وكاھنھم، الحرس ما حصل لبن سلیمان الذي تنازل عن حدود المغرب، وبعد أن أخذ الفرنسیون الأراضي التي تنازل لھم عنھا المخزني، وبذلك انطفأت نیران البغي والفساد)) (إتحاف الأعلام. بن زیدان). كانوا یتحلون بشجاعة التعبیر. ابن زیدان ھذا یكتب عن مسؤولیة السلطان: ((ھذا ملك البلاد وھو على رأس وفي زمن لم تكن فیھ صحف ولا مواقع إخباریة، یجب الاعتراف بأن بعض الكتاب، حتى المقربین للنظام، السلطنة، یضطر لتحمل إھانات شنیعة، من زعانیف صعالیك، بعد تجرع أنواع المضض وحوادث الاضطرابات، ثم تزوج علیھ نساؤه(…) بدون موجب ویؤخذ منھ حریمھ غصبا)). ذلك أن الذي لم یكن یعرفھ السلاطین أقطاب المخزن، ھو دورة الزمان، وطبیعة الكون، فالذین خلفوا السلطان الحسن الأول، آخر من كان یعرف بجدیتھ، كلھم عرفوا نھایات سیئة، بالدرجة الأولى، نتیجة تنازلھم عن مسؤولیاتھم مقابل صداقاتھم وثقتھم فیمن یدعون أنھم أصحابھم، لیكون العقاب مادة للمؤرخین الذین یحملون المسؤولیة للدولة المخزنیة: ((إن الدولة المخزنیة المغربیة، لما انھد ركن سیاستھا المتین، فرزنت فیھا البیادق، ووسد الأمر لغیر أھلھ، وصارت الرؤوس أذنابا، والأذناب رؤوسا، وانفجرت براكین الاستبداد التي ھي ثمرة الإفراط في الضغط(…)، وادعى الصعلوك أنھ ابن جلا، ارتأت القبائل أن الخروج عن طاعة السلطان متجر ربیح)) (نفس المصدر). لا یمكن إذن، لمن یریدون في عھد الأنترنیت، أن ینفذوا سیاسة المخزن، بدون مكوناتھا، وخواتمھا الإجباریة المنطلقة من طبیعة الكون، لكل خطإ عقاب. لیرى القراء في نماذج الفتنة التي سماھا المخزن نفسھ، السیبة، كیف انطلقت في كل جھات المغرب حركات تمردیة لا علاقة لھا بعقیدة ولا مذھب، وإنما طریقة للسطو على الحكم.