آخر الأخبار
الرئيسية / كُتّاب وآراء / ” الغربلة ” من وجهة نظر فاعل تربوي…

” الغربلة ” من وجهة نظر فاعل تربوي…

 أثار اهتمامي وفضولي  لفظ ” الغربلة ” الذي جاء على لسان السيد محمد حصاد  وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، في معرض رده عن سؤال صحفي، مما  ولد لدي رغبة جامحة في تقاسم بعض الأفكار والآراء حول هاته الخطوة المزعومة، وأقصد بذلك طبعا عملية  ” الغربلة ” .

 يحيل لفظ “الغربلة ” إلى تطهير وتنقية الشيء مما علق به من شوائب ورواسب، وهذا فعلا ما تحتاجه   المنظومة التربوية ببلادنا، نظرا لكونها  تعيش وضعا كارثيا لم يسبق له مثيل، وتعرف أيضا اختلالات كبرى على كافة المستويات،  وحتى تكون عملية ” الغربلة ” المزعومة  ذات جدوى وفعالية ، وجب تذكير السيد الوزير بضرورة تحديد وحصر حزمة من الأولويات الملحة، ينبغي الانكباب على معالجتها  في أسرع وقت ممكن ، حتى تكون رافعة أساسية ودعامة مثينة  لمختلف الرافعات الواردة بخريطة الإصلاح التربوي ( الرؤية الاستراتيجية 2015/2030  لإصلاح المدرسة المغربية ) ، وذلك  من أجل وضع قطار الاصلاح التربوي على المسار الصحيح ، بدل اعتماد إجراءات وتدابير استعجالية تهدف إلى إخفاء أعراض الأزمة وتسهم في تعقيد الوضع وإطالة زمن الإصلاح  والرفع من كلفة خسائره.  وتجنبا لمقاربة إصلاحية تعتمد تصريف سياسة ” ذر الرماد في العيون ” ، ونية الإصلاح حاضرة ( لكن الغالب الله ).  نبسط في هذا الإطار  جملة من الخيارات الإصلاحية نعتبرها حجر الزاوية ، وتحظى بأهمية بالغة في أي إصلاح تربوي حقيقي :

أولا :  اعتماد خيار ” الشخص المناسب في المكان المناسب “

  إذ لا يعقل أن يستمر منطق المحسوبية والزبونية والولاءات الإيديولوجية والحزبية الضيقة هو الذي يحكم التعيين في مختلف مناصب المسؤولية في قطاع التربية والتكوين سواء إقليميا أو جهويا أو مركزيا ، فهذا  الخيار يعد من أهم الأولويات التي يجب أن  تشملها عملية ” الغربلة “، بل سنجزم  أن هذا الأمر سيتطلب غرابيل ذات شبكات خاصة يتم استعارتها من دول لها باع طويل في عملية  الإصلاحات التربوية الناجحة وحققت المعجزات خلال زمن  قياسي. إن معياري الكفاءة والنزاهة  يجب الحرص التام على تنفيذهما وأجرأتهما بشكل صارم وحازم  خلال جميع مباريات  انتقاء الأطر لمزاولة مختلف المهام و المسؤوليات الإدارية والتربوية، وذلك  ضمانا لزرع الثقة في الجسم التربوي برمته، وكذا خلق الشروط اللازمة التي من شأنها أن تجعل الجميع يلتف حول الإصلاح المنشوذ، ويبادر للانخراط في إنجاحه بعيدا عن كل نظرة ضيقة ومصلحة شخصية آنية، كما أن هذا الخيار المذكور سيبث روحا جديدة ونفسا قويا في تعزيز مسألة التربية على القيم بمنظومتنا التربوية، علاوة على استثمار كافة الطاقات والكفاءات التي يزخر بها بلدنا المغرب من علماء و باحثين و خبراء  في مجال التربية والتكوين، وبالتالي ستعطى للإصلاح دفعة قوية تعبد له الطريق لتحقيق أهدافه المرسومة وتضمن له نسبة كبيرة من النجاح.

ثانيا : التفعيل الحقيقي لخيار ” التعبئة المجتمعية حول الإصلاح “

    إن  أي إصلاح حقيقي للمدرسة المغربية رهين بمدى قدرة الجهات الوصية عن قطاع التربية والتكوين  على حفز وحث الفاعلين التربويين والإداريين ومختلف شركاء المدرسة والدفع بهم  للانخراط الواعي والمسؤول في جميع محطات الإصلاح، ويمكن تلخيص أهم الإجراءات الواجب اتخاذها في هذا الصدد كما يلي:

   – فتح نقاش موسع حول المنظومة التربوية في مختلف وسائل الإعلام  وخاصة على مستوى القنوات الرسمية للدولة – في ساعات ذروة المتابعة –  لمناقشة كافة  القضايا المرتبطة بالمدرسة المغربية من أجل تحسيس وتوعية كافة شرائح المجتمع بخطورة ما آلت إليه وما ستؤول إليه أوضاع المدرسة، وما يترتب عن ذلك من عرقلة لمسلسل التنمية التي تعرفها بلادنا في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية.   

   – التعاطي الجاد مع المقترحات المقدمة من طرف شركاء المدرسة وفاعليها حتى نضفي على الإصلاح نوعا من الموضوعية والواقعية، بعيدا عن الإملاءات الفوقية التي لاتأخذ بطبيعة الحال بالخصوصيات الثقافية والاجتماعية والطبيعية لبعض المناطق من التراب الوطني.

  • حث الجهات المانحة على تخصيص دعم مالي مهم لجمعيات المجتمع المدني الجادة والهادفة، التي تجعل من أهدافها الرئيسة النهوض بالمدرسة المغربية، مع وجوب الضرب بيد من حديد على كل من سولت له نفسه استغلال المال العام من أجل تحقيق مآربه الخاصة على حساب مصلحة المتعلمين والمتعلمات.

ثالثا : خيار التكوين المستمر وربط الترقية بالجودة

   يعد الفاعل التربوي والإداري من أهم الركائز التي تقوم بتفعيل وأجرأة  مقتضيات الإصلاح، وحتى يتسنى لهذا  الفاعل تمثل ماهية الإصلاح وتملك الآليات القمينة بتصريفه في الممارسة الصفية اليومية،    وتمكينه من مواكبة مختلف المستجدات البيداغوجية والديداكتيكية التي يشهدها مجال التربية والتكوين، وكذا الرفع من جودة قدراته و كفاياته المهنية، يمكن اعتماد الإجراءات التالية :

  • إعادة النظر في مشروع ” المصاحبة والتكوين عبر الممارسة ” وطريقة أجرأته، وذلك بجعل اليوم الأخير من كل أسبوع تربوي- يوم السبت طبعا – يوما تربويا تكوينيا، يتم فيه تقاسم وتبادل الخبرات والتجارب بين أعضاء الفريق التربوي والإداري العامل بالمؤسسة التربوية، من خلال تنظيم ندوات وعروض وورشات تربوية …، إضافة إلى دروس عملية واقعية أو مصورة في مختلف المواد الدراسية والانكباب على تحليلها استنادا للمرجعيات النظرية المؤطرة للفعل التربوي، مع وجوب انفتاح المؤسسة التربوية على كل الطاقات التربوية المتوفرة في محيطها والعمل على إشراكها في تنشيط هذه الأيام التربوية التكوينية.
  • تقييم عمل وأداء المدرسين بناء على مدى جودة مكتسبات متعلميهم، إذ يمكن تفعيل ذلك بإجراء تقويم تشخيصي لمكتسبات المتعلمين في بداية السنة الدراسية يستند على نتائجه في تحديد الكفايات المتوخى  تحقيقها،  ثم بعد ذلك يتم إجراء تقويم إجمالي في نهاية السنة الدراسية، مع تفريغ النتائج المحصل عليها  في شبكات معدة لهذا الغرض بغية قياس مدى تحقق الكفايات المسطرة، وذلك تحت إشراف لجنة تربوية يتم إحداثها لهذا الغرض تتوفر فيها الكفاءة والنزاهة، واعتماد نتائج هذه الأخيرة في ترقية المدرسين في مسارهم المهني، بدل إجراء امتحانات مهنية كتابية تعتمد على وضعيات افتراضية وتطرح العديد من التساؤلات حول مدى مصداقية تصحيحها، وخاصة أن النقط المحصل عليها من طرف الممتحنين  لايتم الكشف عنها بتاتا.

  خلاصة القول، إن الإصلاح المباشر للمدرسة المغربية من طرف السلطات الوصية عن القطاع  في إطار تفعيل مقتضيات الرؤية الاستراتيجية عبر حزمة من التدابير ذات الأولوية، مازال لم يتسلل بعد إلى الفصول الدراسية، ولم يظهر له وقع على مستوى جودة مخرجات المدرسة، حيث يكاد الكل يجمع على أن الأمر يحتاج إلى “علاج بالصدمة ” من أجل تحقيق “معجزة تربوية “، كما ذكر ذلك تقرير للبنك الدولي صادر مؤخرا.