الرئيسية / كُتّاب وآراء / صورة “الصومالي” في مخيلة الإعلام المصري.

صورة “الصومالي” في مخيلة الإعلام المصري.

محمد ضاهر الزيلعي:
من الصعوبة أن تحرّر السذّج من الأغلال التي يبجّلونها (فولتير)! من الصعوبة تحرير الإعلام المصري الشعبوي – الأكثر صخباً في شرقنا – من أغلاله الفكرية وقولبته للشعوب الأخرى، لا يوجد تعريف لـ”الشعبوية”؛ فهي في الأصل حركة زراعية بإيحاءات اشتراكية، وتعني تحريك المشاعر غير العقلانية لدى الجماهير وتوجيهها ضد النخب أو الآخر! يستخدمون لغة “نحن الملائكة” والآخر هو الشيطان وعلى كاهله تقع جميع التشبيهات والأمثلة السلبية.

اللغة السوقية التي تسود مفرداتهم غير مبررة! أخطر ما في هذه الجوقة من الأبواق سلوكهم الشبيه بـ “حاطب الليل”؛ فهم لا يرون ما يفعلونه ومدى الأسى الذي يسببونه، ولا تكاد تجد فيهم إنسان رشيد، فهم كالدببة البنية، ماهرة في إهاجة خلايا النحل في نفوس القراء، لا تتورم وجوههم من كثرة اللسعات، تراهم مع كل تيار ناعق ضد الربيع العربي! يغيظهم تقرير من قناة الجزيرة فيلمزون ويغمزون من قطر، تتوتر العلاقة مع السعودية فيطلبون مقاطعة العمرة والحج!

الأدهى من ذلك كله حالة “التندر الفج من الصومال” والمستمرة منذ عقدين، تجد أحدهم – بلا مبالغة – يكتب مقالة عن النمل الأحمر في صعيد مصر، أو ناميبيا فيستشهد بالصومال والصوملة والتصومل والصمللة! كأنه لا توجد في عشوائياتهم وغرائبهم ما يستحق الاستشهاد به. مشهد اقتران الصومال بالسوء في المخيلة المصرية لا يبعد تاريخياً عن تلك الحالة التي سادت الشعر العربي “شعرنة الأسود الزنجي” وتحويله الى موضوع شعري يتم استحضاره بالوصف والتشبيه مثل الجمل والناقة – جحا -، بهذه الطريقة في العنف الناعم والمُلطّف تأتّى للخطاب الشعري العربي سَحْق الآخر الأسود ومَحْقُه وإلغاؤه وإخضاعه، وإدانة الهيمنة عليه فضلاً عن تحقيره والإستهزاء به! “تمثيلات الآخر: صورة السود في المتخيل العربي الوسيط.

هذه النظرة الاستعلائية هي نظرتهم – نفسها – تجاه الشعوب السمراء، ومن يتابع أفلامهم سيرى الفرعونية الكامنة في الإعلام المصري حين يتعلق الأمر بموسى الأسمر! إنَّ صورة الصومالي في مخيلة الإعلام المصري تحتاج إلى أسئلة عاجلة، وتفكيك علاجي لما وراء هذا الخطاب الموغل بالتنميط والازدراء، هل هي عنصرية بحتة؟ أم كسل صحفي، ومجرد استعارة الشائع والمتداول من التشبيهات؟ أم هي حالة انحطاط عام يعتري الشرق كله؟!

راسلني مدون مصري “محمد ربيع” على الفيس اقتبس منه المقطع التالي “لا يتم ذكر الصومال في أي وسيلة إعلامية إلا كمثال على الفشل والنهاية السوداء لأي خطأ أو عصيان أو تذمر من الشعب ( سياسة ترهيب جمهور غير واعي بمعلومات غير صحيحة على الإطلاق) وسرد عدة أمثلة لا يتسع لها المكان منها ما قاله صحفي شهير “في حال طبقنا الشريعة بمصر سنتحول الى الصومال! انتقاد صحفي في جريدة الأهرام لانعقاد قمة “إيغاد” في مقديشو وقائمة من الأسئلة الركيكة! الاستخفاف بالصومال في الدراما المصرية “أمير البحار” “حاحا وتفاحة” إلخ، حتى المرأة الصومالية لم تسلم “انتهى كلامه.

المقالات المصرية النمطية ضد “الصوملة” تشابه وترقى إلى تلك الدراسة التي قام بها “جاك شاهين”، بدراسة 1000 فيلم أمريكي على مدار القرن الماضي ليخرج بنتائج تريك كيف تنظر هوليوود إلى العرب بمنظار ضيق وصغير”7 صور نمطية للعرب في هوليود.

كتبت قبل فترة عن الخلل اللاإنساني في منظومة الاستشهادات العربية! سخرية كامنة ضد الأشقاء الذين يسقطون في غيابة الجبّ، الحرب الأهلية والجوع والجفاف والهجرة القسرية جميعها مآس إنسانية تستحق التضامن وليس المعايره! الإعلام المصري الشعبوي ليس الوحيد، فهناك مثال آخر على العقلية العربية الشعبوية! أنظر الى تشبيه السوري في الإعلام اللبناني الشعبوي، “هل زرتنا قبل قدوم السوريين؟! كنتَ سترى جمال بيروت”! وغيرها من الموضوعات المشابه التي تجدونها في صحفهم وتغريداتهم، حالة من الدناءة المعرفية يسحق فيها صاحب القلم أخيه لمجرد سقوط الأخ في سنة التداول الكونية (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ).

المثقف الصومالي لم ولن تعجبه تلك الصورة التي ينشرها الإعلام المصري عن مفرداته الوطنية، هناك محاولات جادّة لإصلاح هذا الخلل بدون التهجم على الشعب المصري الشقيق، والذي يعاني بدوره من طبقة المماليك الإعلامية! انتشرت مقالات تتحدث عن ضرورة احترام “الصوملة” وخاصة بعد نجاح الصومال في التقاط صورة تُجمِعُ ثلاث رؤساء صوماليين منتخب وسابق وأسبق.

 مؤخراً حدثت عاصفة من التعليقات على مقال ركيك لدكتور مصري! مقيم في السعودية، ربط الصومال بموضوع اجتماعي يخص السعودية (التسوُّل) تحدَّث فيه بازدراء عن عواصم الصومال التي لم يزرها، متجاهلاً الطبوغرافية النفسية الصومالية التي تترفع عن التسوّل ومدّ اليد. الردود الصومالية كانت مثيرة للإعجاب في قوة رسالتها: “لن نتحمل الشعبوية الإعلامية” ويمكن أن نفعل المثل أي نقابل الشعبوية بطريقة شعبوية تُثير الكراهية بين شعبين مسلمين، تمامًا كما حدث مع الإعلام الجزائري في أزمة كرة القدم الشهيرة؟!

السؤال الذي يطرحه الشباب: ماذا لو أشعلنا عيدان الثقاب التي في داخلنا وأحرقنا صحافة عكاشة؟! ماذا لو تبادلنا الكراهية مع الإعلام المصري الشعبوي الذي يعيش في غابةٍ مِن أوراق الخريف البائسة، ومع ذلك يرمي أعواد الثقاب على مفردتنا العزيزة “الصومال” بلا ملل ولا كلل في غباء منقطع النظير؟! فيما مضى كان في فمنا ماء وحياء وغفلة عن ما يحاك ضدنا من ألسنة السوء، هذا الزمان انقضى كالعام وولّى، لقد “لفظنا الماء وفي قلمي سجيل”، وحان وقت عقد تلك الأفواه. 

وأختم بهذه القطعة الأدبية:

“أنا راعي أسمر من أندلس الجنوب
فقدت غرناطتي في حروبي الداخلية
بكيت على الحمراء وقرطبة شيخ مطر
وعواصم كالزواهر والكواكب
ارتحلت إلى موسم الشمال بعد أن حل الجفاف
لم أسرق يوما ولم أتسول وكبريائي فوق ما يقولون
ساقني قدري الخيميائي إلى مصر المبكيات المضحكات
فوجدت قوماً صحافتهم من لعب
جُعت فسخروا مني
يملكون سحر البيان بلا أدب
ونملك حق الرد بأدب
والله المستعان على من ظلمنا